بَراثِنُ الحُبِّ | يسرى البرجيجي

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

       

بَراثِنُ الحُبِّ | يسرى البرجيجي
                           
مجلة فن السرد
المبدعة يسرى البرجيجي

لم تكن تجمعني بعبد الرحمن صداقة، كنت أعرفه مثلما يعرفه كل أهالي القرية؛ شخصا ذو صيت ذائعٍ، تشهد له بذلك ألسن نساء القرية اللواتي يغزلن الحديث حوله في كل مناسبة، ولم يكن عبد الرحمن معروفا باسمه، اشتهر بقيس المجنون، لقبٌ أطلقته بنات القرية اللواتي أتممن دراستهن في المدينة، ولم أكن مختلفا عنه كثيرا، فأنا الآخر عاشق ولهان بحب روعة.

 برز عبد الرحمن بكونه داهيةً فريدةً من نوعه، استظهر القرآن عن ظهر قلب في العاشرة من عمره، ألمعيٌّ في المجالس، مشهورٌ بفصاحة لسانه، وكثرَ زادُه اللغوي عندما بدأ يحفظ الشعر العربي، إذ لم يتجاوز الثلاثين من عمره حتى وعى المعلقات كلها، كانت وردة ابنة عمه حبه الأول والأخير، لعنته الوحيدة في القرية، لم يكن يرى غيرها، ورغم محاولات أمه عائشة، التي ألفها ناس القرية وهي تصيح بأن ولدها مسحور، وبالذهاب به إلى الأضرحة، وإعطائه جميع أنواع الأعشاب لشربها، وتحصينه بالقرآن، أملا في أن يعود لرشده، ويتزوج إحدى بنات القرية، لم يمت حبه، بل كبرَ حجمه.

كان مظهر عبد الرحمن فائقُ الغرابةِ بالنسبة إلى شاب يعيش في البادية، التاجر الأبله، يبعث منظره على السخرية والدهشة في الآن نفسه، يفغرُ الأطفال أفواههم كلما رأوه قادما يزيحُ شعره الطويل المجعد عن عينيه، يلبس سرواله الفضفاض المعتاد، وقميصا شفافا يظهر زغب صدره، ونعله العتيق الذي يعود لجده، كأنه هارب من صحراء ما.

تغنى عبد الرحمن بوردة في الأسواق، وبجانب النهر، وأثناء رعيه الأغنام في الجبل، وأمام أبواب المساجد، في كل مكان كان يلقي شعرا غزليا مفتونا بجمالها، كان اسمها محفورا في جبينه، وكثر القيل والقال حولهما في القرية، فرفض عمه أن يزوجها إياه، فهو لم يكن يملك شيئا غير كلماته المعسولة، ولم يكن أهل القرية يفهمون لغة الشعر، ولكنهم عشقوا خامته، فكان يغني شعرا في السوق ليشعرهم بالمتعة، وليبيع سلعته.

فجأةً، تغير كل شيء حينما ماتت وردة إثر وعكة صحية مفاجئة، فظن البعض أن عبد الرحمن سينساها، ولكنه سرعان ما خيب ظنهم، زاد جنونه، وأصبح يلاحق طيفَهَا كأنها موجودة، صارخا باسمها، طالبا نجدتها، ملتمسا قربها، مشتهيا لمسها، وظل يقول الشعر فيها كأنها عروسته.

 عبد الرحمن، هو أنيسُ ليلي حينما كنت أعتزل الجميع وألجأ إلى النهر، يجلس بجانبي، صامتا، شاردَ الذهن، أختلي بذكرياتي أنا وروعة في حقول بذور الشمس، ذكريات ظننت أنها ستصون علاقتنا إلى حين عودتي من المدينة، عشرُ سنوات وأنا مؤمن أن الحب هو التضحية، وكمن صعقَهُ الكهرباء، اصطدمت بقذارة الواقع، كنت في قرارة نفسي أشتهي عناقَ وداعٍ على الأقل، لكنها الحياة لا تمنحنا طبقاً من ذهب، وبأن الحب لا يصمد أمام سلطة المجتمع، وأن التضحية هي وهم العشاق الفارين من واقعهم المرير؛ يحضرني شعر وردة الأصفر الفاقع كل ليلةٍ، وهو يمر على وجهي، وطعم القرنفلِ في فمها، كُحلُ عينيها الواسعتين، رائحة الورد تفوح من عنقها، أتساءل إن كان زوجها يفهم الحبَّ البطيء، أن يغوص في تفاصيل جسم وردة كما كنت أغرقَ أنا، في محيطها الهادئ، أمام هذه الصور التي تُشرِّعُ بابَ أوجاعي، كنت أضجرُ من الصمت، فأطلب من عبد الرحمن أن نقول شعرا، قصيدة نشاطرها معا، ونمضي الليل كله هكذا، عينا عبد الرحمن كانتا جاحظتين لبزوغِ الفجر، أما أنا فتأخذني سِنةٌ من النوم في الأول، وسرعان ما أغط في نومٍ عميقٍ دون أن أشعر.

بينما كانت الأمهاتُ يزرن أحباءهم ليخففوا من وطأة الوجع، سمعتُ نواحهنَّ، فتحت مفزوعاً، تفرستني نظرة أم عبد الرحمن مليا، وكهدوءٍ يسبق العاصفة، انفجرت كقنبلةٍ: 

ـ هل أنت لعنةٌ أخرى؟ كل يومٍ يا هذا؟

وقلتُ مستغربا:

هل غادرَ عبد الرحمن؟ أين هو؟

وكمن زاد الطينَ بَلََّةً، ضحكتْ مستهزئةً ملء شِدقَيهَا، وبعينيها الدامعتين، صرختْ قائلةً:

أنت نائمٌ فوقه يا مجنون.

مجلة فن السرد | محاكاة





التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث