نصف القطيع | الحسن ايت العامل

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
مجلة فن السرد


 ..نصف القطيع.. | الحسن ايت العامل

أوقفني رجل ذات يوم في السوق الأسبوعي وقال لي:

"أنت الذي تكتب عنا في الليل والنهار؟"

لم أستطع الرد عليه. فقد اتهمني بالكتابة عنهم، وأنا لا أدري هل في ذلك خير لي أم شر. حاولت جاهدا أن أجيبه، لكن هيئته العجيبة، وبنيته الشبيهة بالغول، أفزعتني وأفشلت ركبي. وقلت في نفسي:

"تفو. على وجه من صبحنا؟ هذ النهار باين من صباحو".

ولم يمهلني الرجل لأستمتع بأجواء السوق؛ أن ألتقط القصص التي أذهب من أجلها، وأتبضع ما أحتاجه من خضراوات وفواكه ومستلزمات أخرى، وأدخل السرور على الأبناء ببعض "الݣلية" و"الفانيد" الأصفر والأحمر والأخضر. والأهم أن أزور مربض الشواء، فأتنسم رائحته، وآكل ما استطاع جيبي أن يوفره.

أحب هذه الناحية التي يتصاعد فيها الدخان. فلا يأتي إليها سوى أولئك الذين تستطيع أن توقع بهم بسبب بطونهم. وما أكثر القصص والوقائع التي جرت لكثير منهم، وقد يسنح الوقت لأسردها عليكم.

المهم أن الرجل، كما قلت لكم، لم يترك لي خيارا. فقد أمسك بيدي وسحبني كما تُسحب شاة إلى الذبح، واتجه بي نحو دراجة نارية متهالكة. أدار محركها بعدما جرى معها حد اللهاث، وجمع أطراف جلابته، واعتلاها، ثم أمرني أن أركب خلفه.

سلمت أمري لله وله، ثم ركبت.

وجرت الدراجة بما استطاعت. كحّ محركها، وصرخت فراملها، ونادى بالغفران هيكلها.

وتوقفت بنا الدراجة العجيبة أخيرا أمام كوخ طيني.

وحضرت في ذهني أسوأ السيناريوهات. وفي هذه اللحظة أدركت خطورة العصف الذهني الذي أطالب به التلاميذ عند بداية بعض الحصص.

دخلنا، واستوينا تحت ظل نخلة وسط الدار. نادى الرجل ابنته، وكانت تدعى كلثوم.

جاءت الفتاة، وكانت في نحو الثامنة عشرة. نحيفة صفراء، كأنها لم تذق الطعام منذ زمن.

قلت في نفسي: ربما أصيبت بفقر الدم، والنحافة بسبب سوء التغذية. فهذا الغول الذي لا يكاد يرى أصابع قدميه من عظم كرشه، يزدرد كل الطعام قبل أن تمتد إليه يد الفتاة.

وقال لي:

"هذي هي، أوستاذ".

قلت:

"من؟"

قال:

"ابنتي التي أريد تزويجها".

أسقط في يدي، وقلت له:

"ولكنني متزوج يا رجل. أخرفت؟"

وضحك ضحكة أثارت النعاج في الكوخ بجانب البيت، فتبعته هي الأخرى ببعبعتها.

أما أنا، فلا أعرف كيف يمكن أن أخرج من هذه الورطة.

وانتشلني الرجل أخيرا، كما تنتشل ذبابة من شربة ساخنة، وقال:

"لقد كتبت في التلفون أنك كنت سببا في زواج ولد حماد وبنت السعيد. فاكتب منشورا كما فعلت، وزوج ابنتي هذه، ولك نصف ما سمعت بعبعته".

لم أشعر بالوقت ولا بما جرى بعد ذلك.

كل ما فهمته أنني، حين عدت إلى رشدي، كنت أمسك نعجة، والرجل يلوح لي بيده مرددا:

"سيكون لك نصف القطيع... سيكون لك نصف القطيع".

مجلة فن السرد  | محاكاة

التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث