في سياق التجربة/مقدمة:
يأتي ديوان "سآوي إلى جبل" للشاعر المغربي محمد تايشينت، الصادر عن منشورات
جمعية الشعلة للتربية والثقافة – فرع أولاد تايمة، في امتداد تجربة تتجاور فيها
الكتابة الشعرية مع انشغال نقدي واضح بأسئلة اللغة والاستعارة والثقافة. وقد حاز
الديوان جائزة أولاد تايمة الوطنية للأدباء الشباب في دورتها العاشرة، وهي الجائزة
التي تضع هذا العمل منذ ظهوره في سياق من التلقي والاحتفاء، وتمنح قراءته الأولى
خلفية تستحق التوقف عندها.
وتزداد أهمية هذه الخلفية حين نستحضر المسار
النقدي لصاحب الديوان؛ فقد حصل "محمد تايشينت" سنة 2025 على
جائزة النقد الشعري التي تنظمها دار الشعر بمراكش في دورتها السابعة، عن دراسته "الاستعارة والثقافة: دراسة معرفية
لاستعارات العاطفة والحياة والموت في الشعر المغربي". هنا تكتسب العلاقة بين الشاعر والناقد داخل
التجربة دلالتها الخاصة، إذ تبدو القصيدة جزءا من مسار معرفي أوسع، تتقاطع فيه
ممارسة الشعر مع مساءلة أدواته ومفاهيمه وصوره.
ومن جهة أخرى، ينتمي تايشينت إلى جهة سوس، وقد توج مساره الأكاديمي بدكتوراه في الأدب، اشتغل فيها على الشعرية المعرفية، كما أصدر مؤلفه النقدي "الشعر والإيديولوجيا: في التحليل النقدي للاستعارة " عن منشورات منظمة تاماينوت، متناولا تشكلات الخطاب الإيديولوجي في الشعر الأمازيغي المغربي من خلال أدوات مستمدة من اللسانيات المعرفية. ومن هذه الأرضية تحديدا تبرز الحاجة إلى قراءة "سآوي إلى جبل" باعتباره تجربة شعرية تتصل بأسئلة الثقافة واللغة والتصور، وتتحرك داخل المجال المغربي من موقع يجاور بين التكوين النظري والحساسية الشعرية.
ما تقوله العتبات: الغلاف والعنوان في "سآوي إلى جبل"
تشكل العتبات
النصية، في منهجية تحليل النص الأدبي، مدخلًا أوليًا إلى البنيات الدلالية التي
ينتظم بها المتن الداخلي. ويضع جيرار جينيت، في مؤلفه «Seuils»،
الغلاف والعنوان ضمن ما يسميه «منطقة وسيطة» تتولى تيسير انتقال القارئ من العالم
الخارجي إلى العالم النصي (Seuils, Gérard Genette, p. 9).
يأتي غلاف
ديوان «سآوي إلى جبل» بصورة جبل مكسو بالثلج، تحيط به الأشجار، وتعلوه
طيور في فضاء مفتوح. وتقوم الصورة على ضربات لونية متجاورة، تتوزع بينها درجات
البنفسجي والأحمر والبرتقالي والأخضر والأبيض والأزرق السماوي. ويمنح هذا التشكيل
الجبل حضورًا يتجاوز جغرافيته المباشرة؛ فالثلج يستدعي البرودة والعزلة، بينما
يفتح الأحمر مجالا للتوتر، ويحيل الأخضر إلى دورة الحياة واستمرارها، ويضيف
البنفسجي مسحة من الغموض والعمق. بهذا المعنى، يهيئ الغلاف منذ اللحظة الأولى
مجالًا بصريًا متعدد الدلالات، تتجاور داخله الطبيعة والحالة الوجدانية.
ويحمل عنوان
الديوان "سآوي إلى جبل"إحالة تناصية مباشرة إلى العبارة القرآنية
الواردة في سورة هود: «قال
سآوي إلى جبل يعصمني من الماء" (هود،
الآية 43). يستعيد الشاعر العبارة خارج سياقها الأصلي، ويمنحها موقعا جديدا داخل
التجربة الشعرية، بحيث يتحول الجبل إلى مركز دلالي تتصل به فكرة الملاذ والتطلع
والبحث عن موضع آخر. ومن هنا تنشأ مسافة بين الجبل كما تحضر صورته في المرجع
القرآني، والجبل كما يقترحه العنوان بوصفه رغبة شعرية معلقة في أفق النص.
وتتسع دلالة هذه العتبة حين نلاحظ أن الجبل، رغم حضوره القوي في العنوان والغلاف، يظل غائبًا عن المتن الشعري. يحضر بوصفه اسمًا تتداوله العتبة، وتستدعيه الذاكرة الدينية، وتستعيده القراءة مع كل قصيدة، فيما تظل حركة الوصول إليه مؤجلة. ولعل هذا التأجيل يجد ما يجاوره في قصيدة الافتتاح «أسئلة مُرجأة"، حيث يصبح الإرجاء جزءًا من طريقة بناء الديوان ومساره الداخلي، ويفتح منذ البداية سؤالًا حول علاقة الشاعر بالمكان الذي يتطلع إليه وبالمعنى الذي يظل في طور التشكل.
من مساءلة المعنى إلى تشظي الذات
تفتتح المجموعة قصائدها ب"قصيدة معنونة" بأسئلة مُرجأة:
حاشية على التفكيكية" (ص5)، وهي عتبة تضع القارئ منذ البداية أمام كتابة
تنشغل بالسؤال أكثر مما تنشغل بإنتاج إجابة نهائية. فالتفكيك، في هذا المستوى،
يدخل إلى القصيدة كطريقة في النظر إلى الأشياء وإعادة ترتيب العلاقات التي استقرت
داخلها؛ وهو ما يظهر في مساءلة الحدود بين الذات والموضوع، وبين المعنى وشكله،
وبين ما يبدو ثابتًا وما يظل قابلًا لإعادة التشكيل. ويتخذ هذا المسار بُعدا أكثر حدة حين ينتقل الشاعر إلى الجسد. فالذات
تظهر موزعة في تفاصيل جسدية متفرقة: يد
فاقعة اللون، فم مالح، وروح من صلصال شديد التعرق. يتحول الجسد هنا إلى مجال تتوزع فيه الذات على أجزائها، فتغدو هويتها
قابلة للانقسام والتبدل. ويمكن وصل هذا التصوير بما يثيره جان لوك نانسي في
كتاباته حول الجسد والكتابة، حيث يرتبط الجسد بانفتاح المعنى وتعدده، وبذلك الحضور
الذي يجعل الجسد نفسه موضعًا للتجربة والتشظي. ويأخذ هذا التشظي مسارا آخر في قصيدة" الظل"(ص9)، فالظل يخرج من موقع التابع ليكتسب استقلالا سرديا وحركيا: له عينان،
يراقب بهما الجهات، ويدرك أنه ملاحق، ثم يصعد إلى غصن زيتونة ليرى الشاعر. يصبح
أمامنا كائنًا يمتلك وعيه وحركته ونظرته الخاصة، فيما يجد الشاعر نفسه في موقع من
يتبع أثره. ويمكن قراءة هذه العلاقة في ضوء مفهوم "الظل" (Shadow) عند كارل
غوستاف يونغ، حيث تتجمع فيه الجوانب التي تستبعدها الأنا من وعيها، وتتركها في
منطقة اللاوعي. غير أن أهمية القصيدة تكمن
في الطريقة التي يعيد بها الشاعر توزيع المواقع: الشاعر يتبع ظله، ثم يحاكي
خطواته، منتظرا منه ما يضيء الطريق.
بهذا الترتيب، تصبح العلاقة بين الشاعر وظله علاقة متحركة، تتبدل فيها مواقع الذات وقرينها باستمرار. الظل صورة للذات وقد انفصلت عن موضعها المألوف، والشاعر يتعامل معه بوصفه كائنًا يمكن أن يقوده إلى جزء من ذاته ظلّ خارج مجال الرؤية. ومن هنا تكتسب صورة المرآة المعوجة دلالتها؛ فهي تعيد صورة الأنا، مع تغيير زاوية النظر إليها، وتتركها مفتوحة على احتمالات متعددة. يقود هذا المسار إلى مستوى آخر في الديوان، يتعلق بطريقة تعامل الشاعر مع اللغة والذاكرة وتجربة الكتابة نفسها. وهنا تبرز استعارة الأكل والتقيؤ كإحدى أكثر الاستعارات حضورا وإثارة في "سآوي إلى جبل"؛ إذ تنتقل القصيدة من تفكيك صورة الذات إلى مساءلة ما يدخل إليها من كلمات وصور وتجارب، وما تحتفظ به، وما تلفظه من جديد.
جسدنة النص
تبلغ العلاقة بين الجسد والنص في قصيدة "الشاعر" أكثر صورها
كثافة في المقطع الذي يقول فيه الشاعر:
"يأكل الكتاب تلو آخر، وبعدها يقيئها:
يقيء؛ أي يؤول" (ص.
15).
تتخذ القراءة هنا هيئة فعل جسدي كامل: الكتاب يدخل الجسد، يمر عبر عملية
الهضم، ثم يعود إلى الخارج في صورة أخرى. والفعل الأخير، "يؤول"،
يأتي ملاصقا لفعل التقيؤ، فينشأ التطابق بين التأويل والإخراج؛ كأن قراءة النص لا
تكتمل عند استقباله، وإنما عند إعادة إنتاجه بعد أن يكون قد عبر تجربة القارئ
الداخلية.
تستدعي هذه الصورة بعض ما يقترحه رولان بارت في "لذة النص" حول
الصلة بين الجسد وفعل القراءة. فبارت يربط لذة النص بحضور الجسد في تجربة القراءة،
ويجعل النص نفسه مجالا لعلاقة حسية ورغائبية بين اللغة والقارئ؛ حتى إنه يتحدث عن
«الجسد» النصي وعن اللحظة التي «يطارد» فيها جسد القارئ أفكاره الخاصة. لكن الشاعر تايشينت يدفع هذه
العلاقة إلى منطقة أكثر مادية وقسوة: الجسد عنده لا يكتفي بتلقي النص أو الاستمتاع
به، وإنما يبتلعه ويهضمه ثم يلفظه. ومن هنا يصبح التقيؤ صورة مخصوصة للتأويل؛
فالتأويل يعيد النص إلى العالم بعد أن يكون قد فقد هيئته الأولى واكتسب أثر الجسد
الذي مرّ من خلاله.
هذه الحركة تكشف تصورا محددا لفعل الكتابة أيضا. فالكاتب في القصيدة يراكم
نصوصا سابقة داخل ذاكرته، ثم يعيد إخراجها في تركيب جديد. ولذلك تأتي العبارة اللاحقة: "نصوصه
لا تقرأ. بل تؤكل" (ص. 16) لتمنح الاستعارة شكلها الأكثر وضوحا. الكتاب يتحول إلى
مادة قابلة للاستهلاك، والقراءة إلى عملية امتصاص، والكتابة إلى ناتج عن هذا
الاستهلاك. وحين يضع الشاعر الفعلين "يقيء" و"يؤول" في
الجملة نفسها، فإنه يختصر مسافة طويلة من نظريات التأويل في صورة واحدة شديدة
المادية: ما يدخل الجسد في صورة نص يخرج منه وقد غيّرت القراءة مادته
ودلالته. ومن هنا يمكن وصل هذه الرؤية بمفهوم القراءة عند ميشيل دو سارتو،
خصوصا في الفصل الذي خصصه للقراءة باعتبارها اقتناصا (Reading as Poaching) من كتابه The Practice of Everyday Life يرى دو
سارتو في القارئ فاعلا يتحرك داخل النص وفق مساراته الخاصة، ويقتنص منه ما يلائم
حاجاته وتأويلاته، فينشأ عن القراءة استعمال جديد لما أنتجه المؤلف استعارة الأكل عند تايشينت تمنح
هذا الاقتناص هيئة عضوية: القارئ يأخذ النص إلى داخله، يخلطه بمخزونه السابق،
ثم يعيده في صورة أخرى.
ويبلغ هذا التصور مرحلة ثانية في هايكو "الكتابة" :
"يا
صديقي خُذ كتبًا
أحرقها، انفخ في الرماد بما قدرت شفتاك
بعدها اكتب ما تشاء"(ص20)
هنا تنتقل العلاقة مع النص من الأكل إلى الاحتراق. الكتاب يدخل في النار،
يتحول إلى رماد، ثم تتدخل الشفتان في تحريك هذا الرماد، قبل أن تأتي الكتابة في
النهاية. تتدرج الأفعال: الأخذ، الحرق، النفخ، الكتابة. وكل فعل منها يُغيّر حالة المادة التي سبقته. بهذا المعنى، تصبح الكتابة عملية
تحويل متتابعة، تبدأ من كتاب موجود سلفا وتنتهي بنص جديد يتشكل من بقاياه.
ويمكن استحضار رولان بارت هنا من زاوية أكثر دقة من الإحالة المباشرة إلى
مفهوم "موت المؤلف". فموت المؤلف عند بارت يتعلق بانهيار السلطة التي تجعل المؤلف المصدر النهائي
للمعنى، وبانتقال مركز إنتاج الدلالة إلى اللغة والقارئ؛ وقد صاغ بارت ذلك في
مقاله الشهير "موت المؤلف" سنة 1967، حيث جعل وحدة النص مرتبطة
بجهة تلقيه أكثر من ارتباطها بأصل مؤلفه. أما حرق الكتب في قصيدة الشاعر تايشينت فيمكن
قراءته كصورة شعرية لتحرير الكتابة من سلطة النص السابق: الكتاب يتحول إلى رماد،
والرماد يصبح مادة لفعل جديد، فتتراجع قيمة الأصل المادي أمام ما يمكن أن يولد من أثره. واللافت
أن الشاعر اختار النفخ تحديدا قبل الكتابة. فالشفاه التي تلامس الرماد
تستعيده في حركة هوائية، ثم تأتي الكتابة بعد ذلك. ثمة انتقال من مادة مكتوبة إلى
مادة محترقة، ومن الرماد إلى الهواء، ومن الهواء إلى فعل الكتابة. الكتابة هنا
تستند إلى أثر سابق وقد غيّرت مادته، وهو ما يجعلها أقرب إلى إعادة تركيب الذاكرة
النصية منها إلى إنشاء يبدأ من فراغ.
بهذا تتسع استعارة الجسد في الديوان من فعل القراءة إلى فعل الكتابة، ثم تتجه نحو مجال الذاكرة والتاريخ. فالجسد الذي يبتلع الكتب ويطرحها في صورة تأويل، والذي يلامس الرماد قبل أن يكتب، يصبح لاحقا موضعا لتحويل الذاكرة نفسها إلى مادة قابلة للتداول. وهذا ما تتيحه قصيدة "وعد بالبيع"، حيث تنتقل الجسدنة من علاقة الشاعر بالكتب إلى علاقته بماضيه وهويته، فتدخل الذاكرة بدورها في اقتصاد البيع والاقتناء والمساومة. ومن هنا يصبح الأكل والتقيؤ جزءا من شبكة أوسع داخل الديوان، تتصل فيها القراءة بالهضم، والكتابة بإعادة التكوين، والذاكرة بمصير الأشياء التي تدخل الجسد ثم تعود إلى العالم في هيئة أخرى.
جسدنة التاريخ
تتسع استعارة الجسد في "سآوي إلى جبل" لتتجاوز علاقة الشاعر بالنصوص
التي يقرأها ويعيد إنتاجها، فتصل إلى التاريخ والهوية والذاكرة. ويظهر هذا
الامتداد بوضوح في قصيدة "وعد بالبيع"، حيث يقول الشاعر:
"سأعد
ضيوف الهباء على طاولة المزاد
رئتي الحبلى بالتاريخ المنسي للبيع
فمن يشتري؟" (ص. 59)
تستوقفنا هنا عبارة "رئتي الحبلى بالتاريخ المنسي" بما تحمله من تركيب جسدي غير
مألوف. فالرئة عضو مرتبط بالتنَّفس والحياة والصوت، بينما يضع الشاعر في داخلها
تاريخا منسيا، ويمنحها فعل الحمل الذي يرتبط عادة بولادة شيء مقبل. يدخل التاريخ،
بهذه الصورة، في نسيج الجسد؛ يصبح مادة مستوطنة في الرئة، تختلط بالنَّفَس الذي
يخرج منها، وبالصوت الذي يمنح القصيدة وجودها. وما يخرج من الشاعر في صورة كلام
شعري يحمل معه آثار ما اختزنته الذاكرة. ثم تأتي طاولة المزاد لتغيّر طبيعة هذه العلاقة. التاريخ الذي
احتضنه الجسد يتحول إلى شيء قابل للعرض والتسعير والاقتناء. ويصبح السؤال "فمن
يشتري؟" جزءا أساسيا من بناء الصورة؛ فهو سؤال يوجَّه إلى
قارئ أو مجتمع أو زمن فقد القدرة على الإصغاء إلى ما تحمله الذاكرة. لا تقاس قيمة
التاريخ هنا بقيمته في ذاته، وإنما بالمكان الذي يمنحه له المتلقي داخل سوق رمزية
تحكمها الرغبة في الاقتناء والنسيان.
ومن هذه الزاوية، تكتسب مفردات القصيدة ترابطها الداخلي: الهَباء، الطاولة، المزاد، الرئة، التاريخ المنسي،
البيع. يتحرك الشاعر بين مجالين متباعدين ظاهريا، أحدهما جسدي والآخر اقتصادي، ثم يضع
التاريخ في نقطة التقاطع بينهما. الذاكرة مادة داخل الجسد، والجسد نفسه يصبح
قابلًا للعرض، فيتخذ التاريخ قيمة الشيء الذي ينتظر من يلتفت إليه.
وتستدعي هذه الصورة أفق إدوارد سعيد في النظر إلى علاقة النص بالتاريخ والسلطة
والسياق الثقافي. فقد ارتبط مشروعه النقدي (أقصد كتابه العالم والنص والناقد،ترجمة
محمد عصفور،دار الاداب) بإعادة النصوص إلى شروطها التاريخية والسياسية، وإلى
الأصوات والعلاقات التي تحيط بإنتاجها وتلقيها. ومن هذا المنظور يمكن قراءة "وعد
بالبيع"باعتبارها مساءلة شعرية لمصير التاريخ حين يفقد سياقه الحي ويتحول
إلى مادة قابلة للتداول. الشاعر يضع ما اختزنته رئته أمام «المزاد»، ثم يترك
السؤال مفتوحًا:" فمن يشتري؟". في هذا السؤال تحديدا تتولد نبرة
السخرية المريرة التي تمنح القصيدة قوتها؛ فالمعروض هو ذاكرة محمولة داخل الجسد،
ومع ذلك تُقاس قيمتها بمن يرغب في شرائها.
وتفتح هذه القصيدة مسارا جديدا داخل الديوان. فبعد أن تحركت الكتابة بين ابتلاع النصوص وإخراجها، وبين حرق الكتب وتحويلها إلى رماد، تنتقل الآن إلى التاريخ الذي يستقر في الجسد ثم يُطرح أمام العالم في صورة سلعة. ومن هنا يبدأ الديوان في البحث عن عناصر أخرى تستطيع حمل هذه الذاكرة خارج منطق البيع والنسيان. ويأتي الماء والجبل في القصائد اللاحقة ليشكلا فضاءين تتغير داخلهما علاقة الذات بما يحيط بها، وخصوصًا في قصيدة "الماء" التي تعيد استدعاء أحد المكونات المركزية في العنوان، وتمنح حركة الديوان اتجاها آخر بعد الجسد والظل والذاكرة والمزاد.
الماء والجبل: استعادة العناصر الطبيعية في بنية الديوان
في قصيدة "الماء "يعود الشاعر
إلى أحد أكثر مفردات الديوان رسوخا، ويضعه في جوار الجبل الذي يحمله العنوان. يقول:
"وجه
رياحك أنت الماءُ والجبلُ
أنا الصغيرُ بوجه الأرض أعرفني
أنت الكبيرُ بغير الماء لا تصلُ" ص87
تتأسس الصورة على توزيع غير مستقر للأدوار بين الماء والجبل والأرض والذات.
فالجبل، الذي توحي طبيعته بالرسوخ والعلو، يحتاج إلى الماء كي يبلغ غايته، بينما
تقدم الأرض ذات الشاعر في صورة «الصغير» الذي يعرف موضعه في مواجهتها. أما الماء
فيظهر في موقع الوسيط الذي يجعل الوصول ممكنًا. ولهذا تبدو العبارة الأخيرة " بغير الماء لا
تصل" أكثر من وصف لعلاقة بين عنصرين طبيعيين؛ إنها تعيد ترتيب القيمة داخل الصورة،
فتجعل الثبات محتاجا إلى السيولة، وتجعل العلو مرتبطا بما يبدو في الظاهر أقل
رسوخا منه. ومن هنا يمكن استعادة بعض تصورات غاستون باشلار حول العناصر
والخيال المادي، مع الحذر من اختزال تصوره في ثنائية جاهزة بين «الماء
والأنوثة» و«الجبل والذكورة». فمشروع باشلار في "شعرية الفضاء" وكتاباته حول الخيال المادي يقوم
على دراسة الطريقة التي تتحول بها العناصر والفضاءات إلى قوى مولدة للصور، وكيف
يستعيد الخيال الشعري المادة الطبيعية ليمنحها حياة نفسية ودلالية. وفي قصائد
الشاعر تايشينت، لا يحتفظ الماء والجبل بحدودهما الفيزيائية؛ إذ تدخل الطبيعة في
تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، ويتحول العنصر الطبيعي إلى حامل لحركة المعنى.
وتزداد هذه الدلالة اتساعا حين تنتقل القصيدة من المشهد الطبيعي إلى الجغرافيا
العربية:
"ما
في العراق وما في الشام من أحدٍ
والسائرون إلى بيروت قد قفلوا" ص 87
هنا يتغير موقع الماء داخل شبكة الديوان. فالعنصر الطبيعي الذي ظهر في المقطع سابقا
شرطا للوصول، يدخل الآن في فضاء جغرافي مثقل بالغياب. العراق والشام وبيروت أسماء
تتجاوز وظيفتها المكانية المباشرة؛ فهي تستدعي تاريخا عربيا حديثا، وتستحضر مدنا
وفضاءات ارتبطت في المخيال العربي بالحرب والاقتلاع والهجرة والانكسارات
المتوالية. ومن خلال هذا الانتقال، يكتسب الماء معنى يتصل بإمكان استمرار الحياة
والحركة، فيما يبدو العالم العربي المحيط بالقصيدة وقد فقد شيئا من قدرته على
استقبال السائرين إليه.
أما الجبل، فيستعيد صلته بالعنوان القرآني للديوان، غير أن دلالته تتغير كلما
تحركنا داخل القصائد. فهو في "سآوي إلى جبل»" وعد بالاعتصام، وفي "الماء" كيان يحتاج إلى الماء كي يصل، أي
أن الملاذ نفسه يدخل في شبكة من الشروط التي تحد من اكتماله. هذه النقطة مهمة في
بناء الديوان؛ لأن الجبل لا يؤدي وظيفة «الخلاص» في صورة مكتملة، وإنما يظل
مرتبطا بحركة الوصول إليه وبالعنصر الذي يجعل هذه الحركة ممكنة. لذلك يتخذ الماء
والجبل علاقة تكامل مشوبة بالتوتر: الجبل يمنح جهة وارتفاعا، والماء يمنح إمكان
الحركة والوصول.
ويبدو أن الشاعر يعيد، من خلال هذه العناصر، صياغة سؤال الخلاص بعيدا عن
الحلول الجاهزة. فالمكان المرتفع لا يكفي وحده، والملاذ يحتاج إلى طريق، والطريق
يحتاج إلى حركة، والحركة نفسها تحتاج إلى ما يمنحها إمكان الاستمرار. وبهذا
المعنى، تتصل قصيدة "الماء"بما سبقها من قصائد الديوان، حيث ظلت
الذات في حركة بين النص والجسد والظل والذاكرة، وبين ما تبتلعه وما تلفظه، وما
تبحث عنه وما يتعذر بلوغه.
ومن هنا تأتي قصيدة "عثرة في القلب" بوصفها انتقالا دقيقا في هذا المسار. فبعد أن كان العائق موزعا في العالم الخارجي، بين الجبل والماء والطريق والمدن، ينتقل موضع التعثر إلى الداخل. القلب نفسه يدخل في بنية الحركة، ويصبح ما يعترض الطريق جزءا من الذات التي تبحث عن الخلاص. عند هذه النقطة، يتغير السؤال الشعري من أين يوجد الملجأ؟ إلى ما الذي يعطل إمكانية الوصول إليه؟، وهو انتقال يمنح بنية الديوان قدرا من التماسك الداخلي، لأن الحركة التي بدأت في العتبات والجغرافيا تجد عائقها الأخير داخل الذات.
القلب والصخرة: حين تصبح الحركة شرطًا للعبور
تصل
ثيمة الحركة في "سآوي إلى جبل" إلى أكثر مستوياتها كثافة في قصيدة "عثرة
في القلب"، حيث يخاطب الشاعر قلبه مباشرة:
"يا
قلبُ تحرّك قليلًا
فالأرضُ تعثرُ في صخرتك" ص 61
ينقل
هذا المقطع مركز العائق من الخارج إلى الداخل. فالصخرة التي تعثر بها الأرض تستقر
في القلب، أي أن ما يبدو في البداية عائقا في العالم يتحول إلى حالة داخلية تعيد
تشكيل علاقة الذات بما حولها. القلب هنا يتجاوز وظيفته المألوفة في الشعر العاطفي،
ويظهر باعتباره موضعا تتقاطع فيه حركة الذات مع حركة العالم. حين يتوقف القلب،
تتعثر الأرض؛ وحين يتحرك، ولو قليلا، يستعيد العالم إمكان السير.
وتكمن
دقة الصورة في فعل "تعثر". فالأرض، وهي
المجال الذي تتحرك عليه الأشياء، تأخذ صفة الكائن الذي يمكن أن يتعثر، بينما يتحول
القلب إلى حجر يعترض طريقها. بهذا التبادل تتداخل حركة الإنسان وحركة العالم،
ويصبح الداخل والخارج متصلين ضمن صورة واحدة. لذلك تبدو عبارة "تحرك
قليلا" مركزية في القصيدة؛ فالشاعر لا يطالب القلب بقفزة كبرى، وإنما يستدعي
منه حركة محدودة تكسر حالة السكون التي تحولت إلى عائق. يمكن هنا استحضار التفكير الفلسفي في الحركة
والتحول عند جيل دولوز على مستوى عام، خاصة اهتمامه بمفاهيم الصيرورة
والانفتاح والتحول، وهي مفاهيم تسمح بقراءة هذا المقطع بعيدا عن تصور الحركة
باعتبارها انتقالا مكانيًا فحسب. الحركة، في هذا السياق، تغيير في وضع الذات
وعلاقتها بما حولها. وما يهم في قصيدة عثرة في القلب أن الحركة تتكرر في الديوان
بأشكال مختلفة: ظل يتقدم ويتبعه الشاعر، ماء يتيح الوصول، جبل يطلب الصعود إليه،
وذات تحاول الخروج من موضعها الأول.
لهذا
تبدو "عثرة في القلب" امتدادا طبيعيًا
للمسار الذي تشكّل في القصائد السابقة. فالظل كان يغيّر موقع التابع والمتبوع،
والماء منح الحركة شرطها، والجبل ظل جهة تستدعي الوصول، ثم يأتي القلب ليكشف أن
العائق قد يستقر في الموضع الذي تنطلق منه الرحلة نفسها. هنا يتضح أن الحركة في
الديوان ليست مجرد تكرار لمفردات السير والصعود والاتباع؛ إنها طريقة في بناء
العلاقة بين الذات والعالم.
ومن خلال هذا المسار يمكن النظر إلى البنية العامة للديوان عبر أربعة خيوط تتداخل باستمرار: التفكيك الذي يفتح الأسئلة حول الذات والنص، وجسدنة النص والتاريخ التي تجعل القراءة والكتابة والذاكرة أفعالا مادية، والعناصر الطبيعية التي تمنح التجربة فضاءات للحركة والتأمل، ثم الحركة التي تصل هذه المستويات بعضها ببعض. وتمنح هذه الخيوط الديوان قدرا من الوحدة الداخلية؛ فالذات التي بدأت وهي تواجه تشظيها في الجسد والظل، أخذت تبحث عن طريقة جديدة للتعامل مع النصوص والتاريخ، ثم اتجهت نحو الماء والجبل، قبل أن تكتشف أن الطريق يمر أيضا عبر عائق يستقر في القلب.وبذلك يصبح الجبل أكثر من صورة مركزية في العنوان. إنه جهة تتحرك نحوها الذات، فيما يظل الوصول إليها مؤجلًا. وما يمنح هذه الرحلة معناها هو استمرار الحركة نفسها، من سؤال إلى آخر، ومن صورة إلى أخرى، حتى يبدو الديوان كله أشبه بمسار تتغير فيه هيئة العائق كلما اقتربت الذات من إمكان العبور.
في مآلات التجربة/خاتمة:
يكشف ديوان "سآوي إلى جبل"، في ضوء العتبات ومسارات القصائد،
عن كتابة تجعل من الجبل أفقا يتشكل داخل اللغة أكثر مما يتجسد في المكان. فالجبل
الذي يقترحه العنوان ويثبته الغلاف يظل ممتدا أمام الذات في صورة غاية مؤجلة،
بينما تتحول حركة البحث عنه إلى أحد الخيوط التي تنتظم بها قصائد الديوان. ومن هنا
يغدو التأجيل نفسه عنصرًا من عناصر البناء الدلالي، تتردد أصداؤه منذ قصيدة
الافتتاح "أسئلة مُرجأة" وتستمر
في علاقة الذات بالجسد والظل والذاكرة.
وتتضح خصوصية التجربة أكثر في استعارة"جسدنة
النص" التي
تمنح الكتابة بعدا ماديا متحركا. فالكتاب يُؤكل، والنص يُعاد إخراجه عبر الجسد في
صورة تأويل، والكتب تحترق لتتحول إلى رماد يمر عبر النفخ قبل أن تستأنف الكتابة
مسارها، فيما تدخل الذاكرة في "وعد بالبيع" مجالا آخر من التداول والمساومة. تتجاور هذه
الأفعال داخل شبكة واحدة تجعل الكتابة ممارسة للتحويل المستمر؛ مادة سابقة تدخل
التجربة الشعرية، تتغير داخلها، ثم تعود في هيئة نص جديد.
وعلى هذا المستوى، يمكن النظر إلى الجبل باعتباره
نقطة تتجمع عندها حركة الديوان كلها. الوصول إليه يتأجل، فيما تستمر الحركة نحوه
عبر القراءة والكتابة والتهام النصوص وإعادة إنتاجها، وعبر مواجهة الذاكرة
واستعادة الظل. قيمة هذه الصورة تكمن في أن الغاية لا تنفصل عن المسار؛ فالشاعر
يجد معنى تجربته في فعل التقدم نفسه، وفي التحولات التي تحدث أثناء السير.
وتتصل هذه الرؤية بما يمكن استعادته من مفهوم المقاومة
عند إدوارد سعيد، حيث ترتبط القراءة النقدية بمساءلة الأنساق التي تستقر داخل
اللغة والتاريخ والثقافة. وفي ديوان "سآوي إلى جبل"، تأخذ هذه المساءلة صورا متعددة:
إعادة تشغيل الاستعارة، تفكيك العلاقة المألوفة بين القارئ والنص، استدعاء الذاكرة
في صورة قابلة للتداول، وملاحقة ظل الذات داخل فضاء شعري متحرك. هكذا تتشكل مقاومة
من داخل الكتابة نفسها، عبر إعادة النظر في المواد التي تصنع القصيدة وفي الطرق
التي تستعيد بها الذات علاقتها بتاريخها ولغتها.
ومن هذه الزاوية، يقدم "سآوي إلى جبل" تجربة شعرية تستحق أن تُقرأ داخل تحولات القصيدة
المغربية المعاصرة، لما تتيحه من تقاطع بين الحساسية الشعرية والسؤال المعرفي،
وبين الاشتغال على الصورة ومساءلة آليات إنتاجها. وتأتي أهمية الديوان، في
النهاية، من هذا التوتر الخلاق بين نص يكتب تجربته في الحركة، وقارئ يجد نفسه
مدعوًا إلى متابعة تلك الحركة من عتبة الجبل إلى تفاصيل الطريق.




إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا