آكلو النور | عبد الاله بوزين
ليس ببعيد عن القرية، حيث ينسحب ضوء أعمدة الإنارة، وترد الجبال صدى نباح الكلاب، وتظهر النجوم في السماء بوضوح. لم يتبق من روايتي "جاحدو المعروف" إلا الفصل الأخير، وكان لا بد لها أن تنتهي؛ فأخذت مذكرتي ودسست شمعة الفجر في جيبي، وإلى الصخرة البعيدة كان المقصد.
أطلقت رجليّ إلى الأسفل، أخرجت الشمعة بهدوء، وقبل أن أوقد فتيلها، قلتُ:
- الحياة هكذا يا صديقتي، إمّا أن تعيشي بلا هدف، أو تموتي من أجل شيء.
وقبل أن أنهي كلامي، شعرت بها تنصهر، ثم نطقت وقالت متجهمة:
- لا شيء يستحق.
شعرت بالخوف، نطقت بالبسملة، لكن شمعة الفجر لم تغب. عندها علمت أنها لا تمت إلى الجن بصلة، فالله يُنطق من ليس له لسان، فسبحان الذي علم منطق الطير لسيدنا سليمان.
تملّكتُ أنفاسي، نظرت إليها من جديد، وقلت:
- لكن، ألست شمعة الفجر؟ فعليك أن تضيئي حتى وإن كان ثمن ذلك احتراقك.
قالت بصوت أثقلته الخيبة:
- كل ما حدث، أنني أنرت ظلماتهم الحالكة، فأخذ نزفي يتقاطر كالدمع من جسد شمعة أُضرمت فيها النار. كنت أهبهم من نوري كلما اشتدّ عليهم الظلام، وأقتطع من روحي كلما احتاجوا إلى شيء من الدفء. لم أسأل يوما عمّا سأحصل عليه في المقابل، فقد كنت أظن أن النور لا يطلب ثمنا.
لكنهم نكروا سنائي في وضح النهار، ولم يروا في احتراقي سوى ضوء اعتادوا عليه.
وحين أسدل الليل سدوله، وغطّى بلباسه الأسود بياض الأفق، جاؤوا يبحثون عني. لم أكن مختبئة، كنت هناك، منصهرة على الطاولة. بحثوا عن بديل، لكن دون جدوى، فراغوا منهزمين إلى بقاياي، ثم نادى أحدهم في القوم ليجمعوا دموعي الذائبة، لعلّها تبرق لهم ركنا من دجيتهم. جمعوا شتاتي، ألصقوا الفتيل بالدموع، أضرموا النار في الرأس، لكنني كنت قد انطفأت، وانطفأت إلى الأبد.
عندها فقط، أدركوا أنني لم أنطفئ فجأة؛ لقد كنت أذوب أمام أعينهم، قطرة بعد قطرة، وهم منشغلون بالنور، غير آبهين بانصهاري.


إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا