مناعة | بلال الخوخي

الكاتب: بلال.ختاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

مجلة فن السرد


لا يمكنك غض الطرف عن شوكة اخترقت جلدك واستقرت في مكان قريب من العظم، حيث أصبحت تفاجئك، بين الفينة والأخرى، بنغزة مؤلمة أكبر من حجمها ومن حجم رأسك. لكنك تظل مصرا على قرارك بتجنب زيارة الطبيب، مؤمنا بأن جسمك يملك كل المؤهلات التي ستساعده على دفع الشوكة خارجا أو تفتيتها والقضاء عليها.

إنك تتفادى الضغط بيدك وتدعي أن هذا بدافع إراحتها قصد توفير طاقة قصوى لمقاومة الألم. الألم، أضحى لعبتك التي تدفع بها سأم لحظات الوحدة إذ تتكئ على فراشك وتنصت له بدل الإنصات لعظامك، ثم تضبط أنفاسك على إيقاع نبضاته الرتيبة. كنتَ في البداية تظن أن هذه النبضات تشكل انعكاسا لنبضات قلبك، إلى أن وضعتَ _في لحظة تفكير_ يدك السليمة عليه وتابعت الإيقاعين، فاكتشفتَ الفرق الجوهري بينهما، شبهتَه حينها بالفرق بين قارع طبول محترف وآخر يهوى الخبط على السطول، ثم ضحكتَ كثيرا لهذا التشبيه، وكررتَه في ذهنك أياما إلى أن سئمتَه، مثلما سئمتُ أنا الوقوف على عتبات الوجود حتى تتخلص أنت من شوكتك. أنا وأنت، اثنان في واحد، مثل ثالوث المسيحيين الذي لن يجر علينا سوى وابل من السب وأحاديث الشؤم إن نحن خضنا فيه.

عندما كنتَ معافى في جسدك لم تر في الحياة سوى نوم واستيقاظ وأكل وطرح، أربعة أقطاب يصل بينها خيط واحد: السأم. أعرف رواية تحمل هذا العنوان، لم أقرأها ولم أفكر في ذلك، حتى المنشور الذي تناولها على الفايسبوك تجاوزتُه ببرود، بيد أني أحببت الكلمة، وأحببت وقعها على الحياة وكيف أراك تجري مستندا عليه كي تكمل مربعك اليومي، وحين دخل العنصر الجديد، أعطيتَه حرية الحركة فوق أضلاع المربع، لذلك _ربما_ تقاوم رغبة إزالة الشوكة مدعيا أن جسمك سيقوم بالواجب. لم يقم بأي واجب منذ أسبوع، أسبوع أمضيتَه في الحك والضغط ثم الاستسلام للانتفاخ وازدياد الألم، آثرتَ أن تمتثل لمراقبة كرة القيح وهي تكبر يوما بعد يوم. والآن، تنظر إليها، تمرر كفك فوقها برفق، تحك أطرافها… تفعل كل شيء عدا أن تفتح لي أبواب العبور.

هل أحسستَ بالنبضة القوية؟ إنها إيذان بالخطر المحدق، إن أنت تفانيت في الإخلاص لصلابة رأسك فسوف تنهار لا ريب. لا تظننَّ أن شوكة صغيرة سيستعصي عليها الإطاحة بك، إنها متفانية أكثر منك، تتوغل في لحمك ببطء شديد؛ لا يهما إن استغرقت يوما أو شهرا أو أعواما، إنها تمارس عملها بخشوع ولي، تخترق وتخترق، ولعلها، قد لمستْ عظمك فانتفضتَ للنبضة القوية المباغتة. سوف تعتاد على هذه النبضات مستقبلا ما دمت مؤمنا بجسدك، هل ياترى هذا الجسد، يؤمن بك إيمانك به؟

انظر إلى يدك كيف تبقى ساكنة طوال اليوم؛ فتتحمل اليسرى عبء الأعمال كلها، بعد أن كانت ملكة على عرش الكسل لا تعمل إلا قليلا.

ها أنت، تلازمك الحمى، فيأبى جسدك التحرك من أجل تبليل قطعة قماش تبرد بها جبهتك. تظل كما أنت، عالقا في فراشك، عالقا في وهمك، عالقا مثل…، لا، لست مثل حشرة في شبكة عنكبوت، فأنت الحشرة والعنكبوت، أنت الضحية والجاني.

هذه المرآة تعمل جيدا، وما تراه الآن، ليس وهما انعكاسيا بسبب عيب فيها، وليس هلوسة من صنع الحمى؛ إنها يدك، يدك المبتورة من المرفق. لقد كنتُ حاضرا عندما قبضت الغيبوبة روحك، وعندما كسر أيوب الباب واستدعى الإسعاف، وعندما حملوك على نعش السرعة كي يبعثوك من بعد موتك منقوص اليد.

لكنك تقف بعد كل هذا، وتبتسم، ثم تهمس لنفسك: "لقد ذهبت الشوكة". 

التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث