كلما حَلَّ المساء حل هو بيننا في المقهى الليلي لِلَعب اللعبة المفضلة لديه ؛ "الرّامي" ، يدخل بابتسامة مميَّزة وملابس في غاية الترتيب والأناقة ، يحيي الجميع ، يُقَبِّلُ أطراف أصابعه ويرسل القبلة بنفخة خفيفة نحو البارميطة نجاة التي تبادله نفس الحركة، فتتعالى الضحكات ويسود جو من البهجة.
وكما نقول في عاميتنا:" الله يْخَرَّجْ هاذ الضحك على خير" فنادرا ما يخرج على خير، حيث عديدةٌ هي المرات التي يتحول فيها سي لحسن إلى رجل غريب الأطوار . لو لم أر ذلك بأم عيني لما صدَّقت ، أذكر أول مرة سأكتشف فيها ذلك، عندما كاد يُزْهِقُ روحَ صديقنا سي حميد، كنا يومها جالسِينَ لاعبِينَ في أمان الله، حتى بدأت يده اليسرى ترتعد ارتعادا واضحا وبرقت عيناه بريقا خاطفا ، وبقوة صفعت يمناه وجهَ سي حميد، ثم طرحه أرضا وأشبعه سبا بعبارات نابية ، وقال له:
إلى أين ستفر مني يا بن الفاعلة؟ ها أنت تقع بين يدي، أنت الذي ألَّبْتَ عليَّ والدَ مَليكة ؛ أخبرتَه كذباً أنني لا أصلح زوجا لابنته وأنني مجرد سكير سيء السمعة. ستجني الآن ما جرّه عليك لسانك اللعين. وستضيع منك حياتك كما ضاعت مني مَليكة.
وقبل أن تسوء الأمور تدخل بعض الزبائن فأبعدوه ، طلبوا منه أن يلعن الشيطان وحاولوا تهدئته، بينما اتجه آخرون نحو سي حميد الذي كان يحاول فهم ما حصل، وكان يَحلفُ أنه لا يعرف لا مليكة ولا والدها.
سي المختار ربت على كتفه وواساه:
"المسامح كريم ، إنّ ما حصل لا يعدو كونه تهيؤات، فقد وقع معي نفس الشيء قبل سنة ، واتهمني بتحريض والد مليكة . ومليكة التي يقصد هي زوجته وله منها ثلاثة أبناء، ما حصل له نوبة من نوبات الجنون التي تتلقَّفُه بين الحين و الحين " ، ثم مال برأسه نحوي وبصوت خفيض قال لي : هذه واحدة منها ، الله يستر . أنت لا تعلم بواقعة المسجد؟
ـ لا .
دفع سي المختار الطاولة ووضع رجلا على رجل و أكمل:
تلك الواقعة بددت شكوكنا وعلمتنا ألاّ نأخذ سي لحسن كما نأخذ العقلاء ، وإن صدر عنه شيء غريب التمسنا له العذر . يومها قصد المسجد بعدما انتهى المؤذن من أذان صلاة العشاء، بالقوة حاول أن يسيطر على الميكرفون ويهدي لمليكة مقطعا من المقاطع الشعرية التي غنتها أم كلثوم ، أبعدوه، لكنه أصر على الإهداء ، وغناها في الشارع العام ، كان يصرخ بأعلى صوت:
أنا أهدي هذا المقطع لمَليكتي
يا فاتنا لولاه ما هزني وجدُ
و لا طعم الهوى طاب لي
هذا فؤادي فامتلك أمرهُ
و اظلمه إن أحببت أو فاعدلِ.
ـ وواقعة البرازيل ؟
ـ تلك أعرفها ، فقد كنت بينكم ليلتها . أجبت.
المطر الذي بدأ يهطل الآن ذكرني بتلك الليلة العصية على النسيان ، عندما غادر مسرعا واتجه نحو محل الحلاق ، طلب منه أن يقص له شعره مثل قصة اللاعب البرازيلي رونالدو نازاريو في مونديال 2002، ثم جاءنا بذات القصة وملابس فريق السامبا في ذلك الجو البارد! ، وقف على الطاولة أزاح الكؤوس برجله، وبدأ يداعب الكرة ويلاعبها بألاعيب اللاعبين المهرة ، خلق حماسا كبيرا ذلك المساء ، أشار بيده إلى البارميطة نجاة وقال لها:
أتمنى صادقا لو وضعوك على رأس الإدارة الفنية لمنتخبنا الوطني، لأنك بلا شك ستستعينين بخدماتي، فأنا القادر على منح كأس العالم لمنتخبنا ، كما فعلت مع البرازيل سنة 2002 . هو يزعم أنه هو الذي سجل الهدفين في مرمى ألمانيا و ليس الظاهرة.
أتذكر كل هذا وأنا أرى سي لحسن الآن أمام باب المقهى و قد بدأ في نزع ملابسه ، نزع السترة والقميص ، ثم الحذاء والسروال واتجه مسرعا وسط الشارع الرئيسي، أسرعت و تجمهرت مع المتجمهرين لمشاهدة ما ستسفر عنه النوبة الجديدة ، لم يكن يعبأ بالسيارات ولا بمنبهاتها ، بدأ بأعلى صوت يَعُدُّ تنازليا:
ثلاااااثة ، اثنااااااان ، وااااااااحد ، ثم نزع ملابسه الداخلية و قال:
واااا لحسنْ امُّكْ راضية عليييك
و قالت لكْ عُمَّرْ كلاب الدوار لا نبحو علييييك.
و انطلق كالصاروخ عاريا ، لا أحد يعلم وِجهته.



إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا