شارع الوحدة | بلال الخوخي

الكاتب: بلال.ختاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق
مجلة فن السرد


الوقوف على الحافة لا يشبهني، ولا يشبهني هذا الامتداد الأزرق المنتهي إليّ في استدارته، لكن الاكتمال لا يتم إلا بحضوري بينهما، مجتازا بعينيّ المساحة الصخرية المنحدرة، ومعتنقا هبات الريح المهددة إياي بالدفع إن أنا تقدمت خطوة إضافية. الزبد المرتطم بالصخر يتطاير مثل انفجار الألعاب النارية التي افتضت ليل تطوان في عيد العرش؛ كانت هي تتشظى احتفالا وكنت أنا أتهاوى هروبا من ألم يخترقني.
تأمل الأفق لا يمثلني. إن ما يعبر عني انطواءٌ داخلي تكوّمَ مع السنين والتصق بعضه ببعض؛ فإن أنا حاولت فك طياته انكسر، وإن أنا تركته كما هو تكوم أكثر. كيف يمكنني تذكر الحدث؟ فالشيء المستمر معي، والحي داخلي، هو الإحساس المر، الخانق، أثناء الجري لاهثا ومتعرقا على طول شارع الوحدة، وكأنهم اختاروا اسمه كتيمّنٍ استشرافيٍّ بي حين تطاردني ظلالي وأطاردها وحيدا على رصيفه. لم يكن الجري اختياري؛ الجري، كان تفاعلا كيميائيا أوجبته محفزات كيميائية أخرى، كان قدرا حل بأطرافي فخضعتْ له. أثناء الجري تردد الضوء الأصفر واختلط بأضواء السماء؛ فانطبعت صوره المتعاقبة أمام عيني، ولم تفارقني رغم توقفي لحظة ثم الانحناء لاهثا مقتلعا من الهواء شهقات مؤلمة. استمر التردد الضوئي ناقرا رأسي مثل لكمات موجهة إلى كيس التدريب المعلق، رأسي كان الكيس، اما صاحب اللكمات، فربما، ملك الموت. 
نعم، هو الموت نفسه، عبر مني، استنزفني في ليلة واحدة، كان الجري خدعته لاستدراجي، الجري الذي ظننته أنجع وسيلة للهرب. لا زلت لا اتذكر ماحدث كي ألجأ إلى الجري، أذكر فقط، أنني كنت مرعوبا، فحملت فجعي على ظهري واخترقت الشارع ذهابا وإيابا، لم أنعرج  عنه، لم أتجاوز حديه، لقد كان متاهتي الخادعة، وكنتُ كفأر القفص أجري على العجلة ظانا أنني اتقدم نحو هدف ما.
هذا الغروب يشبهني، هذا الانطفاء الصامت يشبهني، يخبو كما أخبو، يخلف بعده ليلا مثل ليلي الذي جريت فيه، وأي ليل ذاك الذي جريت فيه؟ كان ظلامه دامسا، لا مصباح على الطريق ولا نجم في السماء، بينما أجري مرعوبا، هاربا. لم أفكر حينها في إمكانية اصطدامي بعمود أو وقوعي في حفرة قادوس مكشوفة. ظللت أجري نحو الأمام، مخترقا السديم الأسود، يتبعني وقع خطواتٍ تجري؛ فأسرع أكثر، وتسرع أكثر، إلى أن تحاصرني؛ فأتوقف.
 عندما توقفتُ؛ توقفَت الخطوات، فضربت برجلي على الأرض، فارتد وقع الضربة في الأرجاء، وضحكتُ من نفسي، لأني هربت من صداي، وهل حياتي، إلا صدى؟ لكن، ما سبب جريي؟ أفكر الآن، ولا أتذكر شيئا.
النجوم المعلقة في السماء، لا ترشدني، تصيبني دوخة تفكير، والحافة تقترب مني، أكاد أهوي؛ فأتقهقر، أوليها ظهري، وأجري. أحس أن الحافة تلاحقني، مثل فم عملاق يصر على التهامي؛ فأجري، وأجري، إلى أن تنتفي الرؤية فأتوقف. أرفع رأسي فإذا السماء تتشظى أضواءً بيضاء كالتي أحدثتها الألعاب النارية في تلك الليلة، ماذا حدث في تلك الليلة؟ ماذا حدث في الليالي الأخرى؟ وماذا يحدث الآن؟ أغمض عيني من شدة الأضواء لكنها تقتحم بوابات الأجفان، وتسكن عميقا في رأسي بألمها الشبيه بألم شرب ماء بارد جدا، فلا أملك إلا أن أجري هربا عساني أتخلص منها؛ فأجري.
التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث