هل تصلح القصة القصيرة ما أفسدته الحرب؟ | د. نصرالدين شردال

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

هل تصلح القصة القصيرة ما أفسدته الحرب؟ | د. نصرالدين شردال

 

هل تصلح القصة القصيرة ما أفسدته الحرب؟ 

 د. نصرالدين شردال

أصبحتِ القصّةُ القصيرةُ اليومَ في طليعةِ الفنونِ الأدبيّةِ التي تقفُ إلى جانب الإنسانِ وحقّه في الحياةِ الكريمةِ والسّلامِ والأمانِ، وتدينُ كلّ أشكالِ التّطرفِ والتّعصبِ والقتلِ والنّزعاتِ والحروبِ... وليس هذا وليد اللّحظةِ، بل عالجَ الأدبُ مواضيعَ الحروبِ وتداعيتها على مرّ العصور إلى يومنا هذا، وظلّ إسوة بالفنّ والثّقافة الهادفة على طرفي نقيض معها ومع أشكالها المختلفة. 

تتفاوتُ أهميّة الأجناس الأدبيّة في زمن الحروب ودرجة تفاعلها معها، بحيث لم تعد للرواية هالتها الكبيرة وملحمتها البورجوازية الفجة، ولا للشعر جماهريته وسلطته المؤثرة، ذلك أنّ المقالة الصّحافية والفيديو التّوثيقي، والصّورة الفوتوغرافيّة والإعلامية، والقصّة القصيرة هم الأكثر ملاءمة لتصويرِ المشاهدِ الإنسانيّةِ الفارقةِ في هذه اللّحظاتِ القليلةِ الأكثر قتامةً واسودادا.

وفي راهننا القصصيّ تُسايرُ القصّة مجريات وتطورات الأحداث العالمية وتموجاتها، وأصبحت لكلّ الموضوعات والصّراعات الجديدة صداها المباشر في أحداثها وبنائها الفني، كما تتابع أشكال التّعصب والتّطرف والإرهاب، والقتل الجماعيّ والنّزوح والتّصفية العرقية، وتنشغلُ برصد العوالم المظلمة في أحشاء السّجون وما يتعرض له الإنسان من قهرٍ وظلمٍ وتعذيبٍ نفسيٍّ وبدنيٍّ، هكذا تصبح الكتابة القصصية شهادة وخلاصا، وشكلا من أشكالِ "المواجهة والتّأسيس"، ضدا في الموت، وتحويلا الكتابة إلى حياة. 

القصة القصيرة حدث، حركة، وحياة. والحرب دمار، موت، ونهايات. تتوقف القصّة ريثما تعبر الحرب بكامل ثقلها الممقوت، ويعود الجنود إلى أهلهم سالمين، ثم تواصل سرد حياتها القصيرة بحكمة وهدوء، ساخرة من العدم، دامعة الكلمات، نازفة الأحداث، مبتورة النّهاية أو الفقرات، متشظية الحروف، وعوض أن تنتهي بنقطة أو ثلاث نقاط، تنتهي بدمعات أو قطرات دم. 

القصّةُ القصيرةُ ــ في زمن الحرب ــ حكايةٌ صغيرةٌ تحكي جزءا بسيطا من حياة حزينة تكابد البقاء، وقصيرة لأنّها لا تنشغل بالتفاصيل المملة ودقائق الأمور، ووصف الشّخصيات العديدة، والبنايات المهدمة، وكشف نفسيات الشّخصيات ومصائرها، وتشعبات المكان، وثقل الزّمان... لكنّها تصفُ لحظةَ اليأسِ، والدّمعة النّازفة من عين النّازح الأخير، والوردة التي تنمو في الرّكام دون أن ينتبه لها العشاق الخائفون، والصّورة العائلية التي بقيت في جدار البيت المهدوم والمهجور...

القصّةُ القصيرةُ سرديّةٌ جماليّةٌ فاتنةٌ، وتصويرٌ للحرب من مختلف جوانبها، ليس محبّة فيها، بل ذمّا لها، وتأريخا لحاضرها، تمهيدا لتجنبها في مستقبل الإنسانيّة جمعاء.

تتعدّد الزّوايا التي تنظر منها القصّة إلى الحرب، فهي لا تنظر إليها من السّماء، بل من تحت الأنقاض، من فتحة الأنابيب حيث تختفي الكائنات الصّغيرة الهاربة من جحيم القذائف والشظايا، و لاتصف المركز، تصف الهامش والمنسي والمهزوم، لا تنشغل بنياشين الجنرال، وقبعة الضّابط أو سيجارته، وإنّما بالصّندل البلاستيكيّ الملقى على قارعة الطّريق، قطرة الدّم، الدّمعة النّازفة، خاتم الخطوبة الفضيّ في يد الشاب المقتول برصاص الغدر، وتسمع لنبض الطفل المختبئ وراء الجدار، تركز نظرها على الفتات كمن يبحث عن إبرة في القش... إنّها باختصارٍ شديدٍ طلقةٌ صغيرةٌ تصيبُ الأشياء التّافهة وتجعلها ذات معنى، هي ليست مع الجنرال والجندي، بل مع اللاّجئ والنّازح والضّحية، ومع الفنّ، والموسيقى، والمسرح، والإبداع، والعمران، والجمال، وكلّ أشكال الحياة.

أودلف هتلر هذا الوحشُ الآدميُّ الذي أشعل أكبر الحروب، ودمر وقتل الآلاف، حين وقف أمام مدينة باريس الجميلة، اندهش من جمالية وهندسة العمارة الفنية، ولم يأمر جنوده وضباطه بهدم أي بناية أو متحف أو جسر. لماذا فعل ذلك؟ لأنّه في طفولته تربى على الفنّ والجمال، ودرس في معهد فيينا للفنون الجميلة، وكان له شغف مبكر بالحب والحياة والرسم والفن التشكيلي، ولو امتدت مسيرته في هذا المجال لكان من أعظم الفنانين الذين يضيفون لمسة جمالية لهذه الحياة... من هذا المنطلق لو كان سادة الحروب المعاصرة، وبائعو السلاح، وتجار الدم، ومهندسو الغزوات والهجمات يقرؤون القصص القصيرة والحكايات في صباهم، ويتمثلون عِبرها وقِيمَها لما أطلقوا رصاصا أو صواريخ، أو اعتقلوا عصفورا ولا إنسانا، ولا اجتثوا شجرة ولا زهرة، أو هدموا منزلا أو قرية أو مدينة.

من هنا نستنتج أنّ كتابة القصّة القصيرة في زمن الحرب والتّشجيع على "تعلِيمها" و"تعلّمِها" وإبداعها ونقدها ومتابعتها ومدّها بكلّ سبل النّشر والتّداول والتّلقي هو ضمانٌ لحياتنا المستقبليّة، وتجنبٌ للحروب والفتن والنّزعات، واستنباتٌ للقيم النّبيلة، وتربيّةٌ على المحبّة والسّلام. 

قد لا تستطيع القصة القصيرة أن توقف الحرب، وقد لا تصلح ما أفسدته، لكنها لن تكون إلى جانبها دائما وأبدا. 

القصّةُ القصيرةُ "حرب" بلا راء (هكذا ينبغي أن تكون) درسٌ في الإنسانيّة والسّلام والجمال، ذلك أنّها تهذيبٌ للوحشيِّ والهمجيِّ فينا، وتنمية للذوق العام وارتقاء به، وبحثٌ دائمٌ عن لحظاتِ الحبِ والصّفاءِ الإنسانيِّ وسط الفوضى والخراب، بحثٌ عن بسمةٍ ضائعةٍ وسط عاصفةٍ من الدّموعِ والدّماءِ والدّمارِ. 

القصّةُ القصيرةُ حربٌ من أجل المعنى، وطلقةٌ قصيرةُ المدى، بعيدةُ الأثرِ، عدُوّها الأساس ليسَ الجنرال والضّابط والجندي، وإنّما ناقدٌ كسولٌ وقديمٌ، وقارئٌ بطيءُ الفهمِ، عقيمُ التأويلِ.

مجلة فن السرد | زوايا 

التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث