السَّرْدُ بِاعْتِبارِهِ وَصْفَةً طِبّيَة | يوسف الشقوبي

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 
السرد باعتباره وصفة طبية مجلة فن السرد



السرد باعتباره وصفة طبية مجلة فن السرد

السرد باعتباره وصفة طبية | يوسف الشقوبي

ألم يتساءل بعضنا في يوم من الأيام حين ذهابه عند طبيبين في نفس التخصص، لماذا كان تشخيص واحد منهما دقيقا والآخر لا ؟

 أكثر من ذلك أحيانا، يكون تناقض بين ما توصل إليه الطبيب (أ) والطبيب (ب)، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه هنا:  أين يكمن الفرق؟

 إذا تأملنا جيدا، فإننا سنجد أحدهما استعمل طريقة خاصة في التواصل معنا، إلى درجة أننا أحسسنا ونحن نتحدث إليه وكأننا نسرد سيرنا الذاتية. في حين نكتفي مع الآخر بتحديد منطقة الألم وكيف يكون... وبالتالي فإن الطبيب الأول اعتمد تقنيات سردية خاصة في التواصل معنا، وهذا ما يعرف ب "الطب السردي"، الذي لا يعد بديلا عن الطب القائم على الأدلة وإنما يتكاملان فيما بينهما، إلا أن الطب السردي يتبنى منهجية قائمة على مهارات تواصلية محددة. وذلك راجع لكون سرد القصص أداة أساسية لاكتساب وفهم ودمج وجهات نظرٍ متعددة مرتبطة بالأشخاص المصابين بالمرض، والمشاركين في عملية الرعاية الصحية.

 هكذا فإذا كانت نظرية التلقي قد أعادت الاعتبار للمتلقي في بناء معاني النصوص الأدبية، فكذلك الأمر في المجال الطبي،؛  فالمريض لم يعد مجرد متلقي سلبي وإنما أضحى مشاركا في رعايته الصحية وذلك من خلال التركيز على احتياجاته وتمكينه من المشاركة الفعالة في عملية الرعاية الصحية.

 وعليه فإن الطب السردي يمكن المرضى من مشاركة تجاربهم مع المتخصصين في الرعاية الصحية مما يتيح لهم اكتساب مجموعة من المهارات اللازمة التي تمكنهم من التعرف على المرضى وفهم حالتهم والتواصل معهم.

 لقد نشأ الطب القائم على السرد استجابةً لقصور النموذج الطبي الحيوي، على غرار الرعاية المتمركزة حول المريض. وقد تبلور من تلاقح مدارس فكرية متعدّدة، منها: الإنسانيات الطبية (التاريخ، الفلسفة، الأخلاق، الأدب، النظرية الأدبية، الفنون، والدراسات الثقافية)، وطب الرعاية الأولية والرعاية المتمركزة حول المريض، والطب النفسي-الاجتماعي-البيولوجي والرعاية الشمولية، والتحليل النفسي... رغم كل هذا إلا أنه لا يوجد تعريف متوافق عليه للطب القائم على السرد؛ حيث ترى ريتا شارون أنه طب يُمارَس بكفاءة سردية «تُمكّن من التعرّف إلى قصص المرض، واستيعابها، وتأويلها، والتأثّر بها». 

أما التعريف الذي توصّلت إليه لجنة دولية من الخبراء عام 2014 فيعتبره «أداة أساسية لاكتساب وفهم ودمج وجهات النظر المختلفة لجميع المشاركين في تجربة المرض».

كما أكدت ريتا شارون في مقال لها معنون ب " الطب السردي : رعاية المرضى بوصفها عملا فنيا"، أن مقاربة الطب السردي ترى أن الإبداع يقع في صميم الرعاية الصحية، وأن العناية بالمريض هي عمل فني. فاللقاءات التي تحدث في عياداتنا أو أقسام الطوارئ أو سيارات الإسعاف ليست لقاءات بيروقراطية أو تقنية، بل هي خبرات إنسانية إبداعية وفريدة وكاشفة.

 إن الشخصين المنخرطين في الحدث — المريض والممارس الصحي — لا يمكن تعويضهما، وما يحدث نتيجة لقائهما لن يتكرّر أبدًا، ومن ثمّ، فإن واجب كلٍّ منهما أن يكون حاضرًا حضورًا كاملًا، بعينين مفتوحتين على وسعهما، وبذاتٍ مُعارة للآخر، من أجل الانتباه لما هو مطروح، والإدراك بأقصى ما يمكن، والاستيعاب، والتأمّل، والانخراط مع الآخر في محاولة جعل الأمور أفضل.

كما تشبّه ريتا شارون قصص المرضى بالنصوص الأدبية؛ فبعضها مباشر وسهل الفهم، وبعضها معقّد ويتطلّب خبرة وتأويلًا أعمق. ويتيح تطبيق مبادئ التحليل الأدبي على السرد المرضي فهمًا أوسع لتجربة المريض، كما يدفع الطبيب إلى التأمل في ذاته ودوره في التفاعل العلاجي.

وفي هذا السياق، يقترح جون لونر سبع قواعد تسهم في تطبيق مبادئ التحليل الأدبي على السرد المرضي؛ حيث ركز لونر على اللغة بوصفها جوهر الاستشارة، ويرى أنها «محادثة» تُنشئ فهمًا مشتركًا أو «قصة جديدة»، ويحدّد سبعة مبادئ للمحادثات الداعية إلى التغيير:

ــ ( المحادثة ـ الفضول ـ السياق ـ التعقيد ـ التحدّي ـ الحذرـ الرعاية).

ومن خلال هذه المبادئ، تُفتح إمكانات جديدة أمام المريض، ويُعزَّز الالتزام بالخطة العلاجية عبر التشارُك لا الفرض.

وعليه فإن الكفاية السردية قد آتت أكلها في مجموعة من الدراسات التي أجريت، ورغم كل هذا إلا أنه ينبغي توسيع نطاق تطبيق الطب القائم على السرد ، كما أنه مرهون بمزيد من البحث لتحديد دوره ونتائجه بدقة عالية.

مجلة فن السرد | زوايا


التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث