جلس إلى الكرسي الحديدي البارد في المختبر الجامعي. عيناه تتنقلان بين شاشة
مضيئة زرقاء تنهش بصره. وأوراق مثقلة بالتعليقات الحمراء. ضغط بإصبعيه على جسر أنفه.
أماط سحابة سوداء عن ذاكرته. محا سطورًا كتبها بصبر، ليعيد كتابتها بحدة، يضغط على
لوحة المفاتيح كما لو كان يخنق أفكارًا مزيفة.
الرائحة الحامضة للقهوة الباردة تلسع حاسة الشم. تذكّره بطعم حليب الماعز
الدافئ في قريته شمال دارفور، حيث التراب الأحمر تحت قدميه العاريتين. حين كان
يستيقظ على صوت أمه وهي تناديه: "يا ولدي قوم، الشمس سبقانا". يغمض
عينيه للحظة، لكن اللمعان الأزرق للشاشة يلاحقه حتى في الظلام خلف الجفون. هناك،
في القاع، يتسلل سؤال فوكويّ: هل صارت المعرفة بيانات-سلطة، تُصنّف العقول
كما تُصنّف الوثائق، وتُقاس قيمتها بمؤشرات استشهادٍ لا تنتهي؟
خرخرة المكيف الاصطناعية تتصادم في ذاكرته مع صفير الرياح الحر في السهول.
يغمض عينيه للحظة، لكن لمعان الشاشة يلاحقه حتى في العتمة خلف الجفون. سؤال يتسلل: هل صارت المعرفة سجناً
للبيانات؟
منذ سنوات، كان طفلاً حين بدأت الحرب على لغته الأم...خرج من قريته إلى
الخرطوم، ترك لغته الأم خلفه كطفل تُرك في العراء. ليس له خيار، تبنى العربية، لغة
الدولة، لغة السلطة. لغة العلم والوظيفة، اللغة التي تمنحك بطاقة الانتماء. كتب بالعربية "المهذبة" ليحجز مقعدًا
بين أبناء القومية السودانية.
تذكّر سخرية زملائه وبعض المعلمين من لغته الأم، ومن لكنته في المدرسة، حيث
كان يسمع أن التحدث بلهجته «تخلّف»، وأن التفوق يعني أن تتحدث العربية بطلاقة. لم
يعترض. ارتدى جلدًا جديدًا، وتفوق... الآن يكتب بالعربية، لكن بوابة المجلات العالمية ترفضه: غير ملائم
للمعايير. كأن الكلمات تحمل دوماً لكنة المكان الذي خرجت منه.
أُعيدت إليه الرسالة الأخيرة، عن شعر المقاومة السوداني، مرفقة بجملة: "Your
topic lacks universal relevance. " مزّق الورقة. جمعها ثانية.
أصابعه عادت تكتب بحرقة جديدة: أيُّ عالم هذا الذي لا يرى في دماء دارفور "صلة
عالمية"؟
يتنفس ببطء. كل خطوة بحثية، كل تعديل، كل إعادة صياغة، هي سباق مع الزمن والقيود. الترقية تزداد شروطها تضخماً كل عام، كل منصّة تطلب منه رسومًا أعلى من مرتبه الذي ما انفك يتآكل.... وكل معيار جديد يضغط على جسده ووعيه، ليجعله يتبع إيقاعًا لا يملكه، يعالج بأبحاثه مسائل لا تعنيه، ولا تعالج قضايا مجتمعه لكنها ترضي الهيئات البحثية والمنصات التي تأخذ من جهده كل شيء دون مقابل. كل ورقة بحث، كل ملف PDF، كل مقال يُحرر ويُنشر، هو صراع على الوجود.
على حافة النافذة، لاحظ بذرة صغيرة متشبثة بالحياة. مد إصبعه ولمسها برقة.
تخيّل جذورها تشق طريقها في الشقوق الضيقة. تساءل: هل نموّي الفكري يحتاج إلى
إصرار أقل من إصرار هذه البذرة؟
في داخله، حوار يتصاعد:
- الباحث الخاضع: "عدّل. احذف. انسَ دارفور لوهلة. ربما يقبلون
النص هذه المرة."
- الطفل الحر: "ذهب إلى الجحيم! أتريد أن أبيع ظلي
لأمشي في نورك؟".
- المنصات: "ادفع. انشر. احجز مكانك بين الباحثين."
- هو: "أكتب… حتى لو لم يقرأه أحد".
الكلمات تتثاقل. كل حرف رهينة تصنيف، رهينة رسوم، رهينة قواعد رقمية.
يمرر أصابعه فوق الطاولة. ملمس الخشب المصقول يعيد إليه خشونة جذوع الطلح.
يهمس بلغة دارفور: أئنا نكي؟ أئنا نكي؟
(أين أنا؟ أين أنا؟).
حينها، لم يكن يعرف "مركزية النشر الغربي"، ولا تخيّل أن
أفكاره ستُعصر وتُصفّى لتناسب قوالب "اللغة الأكاديمية العالمية"، فيصير
غريباً عن إنتاجه، كما وصف ماركس اغتراب العامل عن إنتاجه. يكتب بالعربية،
ثم يترجم إلى الإنجليزية، فيفقد النص موسيقاه، كعودٍ قُطعت أوتاره. "لماذا
يجب عليّ أن أنحت أفكاري بلغتي لأعرضها بلغتك أنت؟" يهمس لنفسه، كأن الجدران
البيضاء للمختبر تستمع.
يومض بريد المحرر: حذف الإشارات المحلية. هذه المرة لم يتردد.
كتب: "روح النص في محليته، حذفها قتلٌ له". أرسل الرسالة.
يتنفس بحنق... الترقية تبتعد ،كل عام ينهض شرط جديد أمامه، النشر الخارجي
صار بوابة إلزامية. الرسوم تلتهم مرتبه وحوافزه، الزملاء الذين
صعدوا قبله سحبوا السلم خلفهم، التخصص يضيق حوله حتى يكاد يخنقه... حرية البحث
تتبخر في لوائح جامدة. جسده ينوء تحت الأرقام. وعيه يذوب
بين استمارات التقييم. الركض
لا ينتهي. لا توجد خط نهاية ...كل تعب يُمحى بكلمة: "مرفوض".
يختلط الهواء المعقم في المختبر برائحة التراب المبتل في موسم الخريف
بمليط. يعرف الآن أنه كتلك البذرة على النافذة. التربة مقفلة. لكن ثمة شقوق.
فجأة، تلتقط ذاكرته ومضة من طفولته: يد جدته، وهي تضع على رأسه
عمامة صغيرة يوم العيد، ورائحة السمن البلدي تتصاعد من قدر على النار. يسمع أصوات
السوق: "تعال يا ولد! تعال شوف!"، صوت أبواق الحمير، صياح الديكة. هذه
الأصوات تخترق جدار الصمت في المكتبة الجامعية الآن، فيعيد ترتيب جسده على الكرسي.
في داخله، تيار وعيٍ متلاطم: إدوارد سعيد يهمس عن استعمار اللغات والمعارف،
فوكو يذكّره بأن كل معلومة خريطة سلطة، ماركس يقف عند الباب ليقول: "لقد بعت
وقتك ولم تُبع أفكارك".
يكتب سطرًا جديدًا:
"المجاز في الأدب السوداني لا ينفصل عن التربة
التي أنبتته، وكل محاولة لاجتثاثه لتقديمه وفق قوالب جاهزة، هي استمرار لمشروع
استعماري يطمس الأصوات الأصلية."
يتركه بالعربية، بلا ترجمة. يبتسم. هذا القبول الذاتي هو انتصاره. الجمل
القصيرة التي يكتبها الآن تشبه نبض قلبه: سريعة. متوترة. حيّة.
يتذكر مشهد اجتماع القسم: زملاؤه يتحدثون بلغة الأرقام. h-index.
Impact factor. Citation score. يشعر أنه يغترف من بحر المعرفة ليروي عطش
التقييمات، لا عطش الحقيقة. يضحك بمرارة: يكتب عن الحرية بلغة السجان.
يفتح نافذة المختبر. يدخل هواء بارد فيه نفحة من جبل مرة. يأخذ البذرة،
يضعها في أصيص مهمل. يفتح ملفًا جديدًا. يكتب بلغة دارفور: ني وايي؟ مو سوايي؟ (من
أنا؟ من نكون؟).
تتحول كتاباته إلى جذور عميقة في تراب ذاكرته. تنمو لتصبح شجرة مقاومة،
جذورها في دارفور، أغصانها تمتد إلى عالم أرحب.
يشرب آخر رشفة من قهوته الباردة. طعمها المر يختلط بطعم الحليب الدافئ في
ذاكرته. المطر يتساقط خفيفًا. قطراته تتسلل إلى أصيص البذرة. يسأل نفسه: هل يكفي المطر
لتشق الصخر؟ هل تسمع البذور صوتي؟
يعرف أن الإجابة ليست في المجلات المرموقة، بل في صمته الذي يروي التربة،
وفي كتابته التي صارت جذورًا لا تُقتلع.
مجلة فن السرد | مشاتل
إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا