بِرْكَةٌ تَتَوَسَّطُ الْقَلْبَ | محمد أشرف الشاوي

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 

بِرْكَةٌ تَتَوَسَّطُ الْقَلْبَ | محمد أشرف الشاوي

بِرْكَةٌ تَتَوَسَّطُ الْقَلْبَ | محمد أشرف الشاوي
المبدع محمد أشرف الشاوي

اشتعلت السّيجارةُ في فمِه، أخذ يفرّ هاربًا من أنفاسه المُثقلة بالدّخان، الثّقيلة والمريرة، قليلًا قليلًا يتخفّف من العبء على كتفيه، ومن الغصّة القابعة على شغاف قلبه الذي أضناه السّير والزّمن، شيئًا فشيئًا يتحرّر من الضّباب الذي عكّر صفوة رؤيتِه، مع كلّ رتلٍ يركله في وعاء الرّماد؛ يتخلّص من ألف فكرة لوّثت سريرة نفسه لأيّامٍ وأيّام، عقبُ سيجارةٍ.. أوّلٌ، وثانٍ، وثالثٌ..

مُ

   بَ

 عْ

     ثَ

  رٌ

وثقيلٌ هذا الحلمُ!، وحدهُ هواء الدّار البيضَاء كان يدّب في أوصاله المتعبةِ بعضًا / قليلًا من الرّغبة حتّى يتابعَ؛ أُكمل من حيثُ بدأت أوّل مرّةٍ بقلبٍ أضناه التّعب، وحلمٍ مبعثرٍ، وأوصالٍ لم تعد تعرفُ العودةَ إلى نفسِها، وكأسِ شايٍ نفذت حبوبُه، ولعب القطّ في آخر خيطٍ من اللّيل الحزين. وحدهُ المشيُ يحرّرني من كلّ شيءٍ يطول، ويقطع دابِر الوسواس الذي يستخفّ بي، لا برلين ولا الهواء المالح خاصّتها قادرين على ضخّ الشّغف في هذه البِركة الجافّة التي تتوسّطني، وحدَه الرّكض إلى هدفٍ محتملٍ قد ينفثُ فيّ قبسًا -كقبسِ موسى- وأحيا من جديدٍ، أو أنعتق من هذا السّيل الجارفِ أرقًا.

البارحة، تمشّى كثيرًّا، على امتداد الشّوارع وأزقّتها الضّيقة، كان يُراوغ ويستشفّ بإمعانٍ رقص جسدِه وتكرّر صوتِه عبر السّاحات والفضاءات والحُشود، استقرّت قدماه على مقهًى لم يعتد أن يتردّد عليها كثيرًا، لم يزرها سوى مرّتين في الأيّام القليلة الماضيّة بعد أن رشّحها صديقٌ له، واصفًا إيّاه بأنّه مكانٌ هادئٌ يصلح للعمل والدّراسة، وروّاده لا يعربدون في الكلام، يدخّنون سجائرهم ويرتشفون قهوتهم على مضضٍ، الشّاي له حضورٌ وازنٌ أيضًا، العصائرُ تأتي طريّةً، والطابق العلويّ يتردّد عليه الطّلبة والموظّفون الّذين يعملون عن بعدٍ، ثمّ عن ركنِه الدّاخليّ جدّا، يعمّره شبابٌ في نهاية العقد الثّالث، يشدّون على أكفّ صديقاتهم، معزولين تمامًا، كأنّهم في مكانٍ غير الّذي تبصرُه العينُ..

جلس إلى طاولةٍ سوداءٍ متّسخةٍ، ما تزال تتربّع على عرشها بقايا شطيرةِ دجاجٍ وجزرٍ مخلّلٍ، كان شدّه نصف النّافذة المفتوح والذي يطلّ مباشرةً على الشّارع المجاورُ، يتسلّل منهُ ريحٌ خفيفٌ، أثر الثّمالة النفسيّة يتلاشى كلّما لطم النّسيم خدّه، يمنةً ويسرةً، يتحرّر شيئًا فشيئًا من القلق على كتفيه، قدّام الوحدةِ يكشفُ المرء أوراقه تباعًا ولا يتعنّث أبدًا!، هناك جلسَ وحيدًا تمامًا يصفّف شعره، يلتفّ حوله بين الفينة والأخرى، بأناقةٍ ديكٍ يشربُ قهوته بالحليب المجفّف، ويحرّك أيّامه بالملعقة حتّى تتجانس وتصبح مرنةً أكثر، يضعُ آخر التّعديلات على ملفّ googldocs، والّذي يخصّ مشروعًا يهمّه جدّا، ويعتزّ به جدّا؛ النّسخة الأولى من "الجائزة الجامعيّة للقصّة القصيرة"، لطالما حلمَ بتنظيم مسابقةٍ أدبيّة بمعايير منطقيّةٍ بعيدًا عن التّنميط والتّقييد الذي تسهم فيه الجوائز والمسابقات الإبداعيّة.

«في صفاء رُؤيا الجَماهير تكون الثّورة جزءً لا ينفصم عن الخبز والماء وأكفّ الكدح ونبضِ القلب»، أمّا عن ثورتي أنا، فإنّني أخوضها ضدّ أيّامي وبهدف الانعتاقِ لا غير!، هذا الحُلم مبعثرٌ

وثقيلٌ، يَ

وثقيلٌ، ي سِ

وثقيلٌ، ي س يْ

وثقيلٌ، ي س ي لُ!

يَسِيلُ!

         يَ

            سِ

                 يْ

                    لُ!

يَسِيلُ!

يسيلُ الدّمع فتمتلئُ به بركةٌ داخل القلبِ، يكملُ إجراء التّعديلات على ملّف المسابقة ثمّ يرسله إلى صديقين، يدوّن الملاحظات، ينظر بعمقٍ حوله، يستدرك الّذي فاته، هو الّذي تعوّد تحليل العالم الخارجيّ ببراعةٍ، وبنفس البراعة كان لا يجيد الإنصات والفهم الداخليّين، لم يكن جيّدًا أبدًا حتّى يحيط نفسه علمًا بكلّ الذي يدور في دهاليزه، ولا جيّدًا كفايةً ليربت على كتفيه، يدُ الحزن وحدها تفعل، يد الحزن لم تخطأ أبدًا قلبه عند التّصويب.

أخذ يمسح الطّاولة من الفتاتِ المتبقّي، لقد عكّر مزاجه، صار التّحديق فيه صعبًا، خصوصًا حينما أصبح يرقص حول جنبات الحاسوب.. ينهي آخر اللّمسات، يداعبُ الملعقة، يدوّن خطّة الغد، ويحدثُ (New checklist)، يشربُ آخر القطرات الباردة الّتي تهبط بردًا وسلامًا على تجويفهِ، لا أحدَ من الحِزبين قد أحصى لكم قد لبثُ، لا الطّلبة، ولا الهائمون في الحبّ على وجوههم، المقهى خاويةٌ على عروشِها، نصفُ اللّيل وربع ساعة، سيتمشّى إلى آخر الشّارع، يتحدّث إلى الطّريق ويُبكيان حالهما معًا، تعزّيه ويعزّيها، ولا أحد يضمر حزنًا للآخر في بكائه.. الدّمع يَسيل

وَ

يَ

تَ

سَ

اْ

قَ

طُ

إلى بركةٍ تتوسّط القلبَ وتمتلئ بالدّمع والهواء المالحينِ.

مجلة فن السرد | محاكاة

التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث