"جُروحٌ بَيْنَ السُّطور" : القصة الومضة وحفريات الوجع الإنساني | ياسين أرحال

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 
"جروح بين السطور" : القصة الومضة وحفريات الوجع الإنساني | ياسين أرحال

"جروح بين السطور" : القصة الومضة وحفريات الوجع الإنساني |ياسين أرحال

"جروح بين السطور" : القصة الومضة وحفريات الوجع الإنساني

ياسين أرحال

مدخل:

تحتل القصة الومضة، في أنضج تجلياتها، تلك المنطقة الحدية بين القول والصمت، حيث تنسحب الحكاية من سلطة التفسير لتترك المعنى معلقا في بياض الصفحة. لم يعد هذا النوع السردي، في تحولاته الراهنة، وفيّا لوظيفته الأولى كطرفة منثورة أو التماعة ذكاء معزولة، فقد صار يضغط التجربة الإنسانية في جمل تقوم مقام رواية كاملة بتكثيف يبلغ حد الانفجار. 

في هذا المضمار، تأتي مجموعة "جروح بين السطور" لياسين اليعكوبي، لتستثمر كامل طاقة هذا الشكل التعبيري، دافعة إياه من مجال الإدهاش العابر إلى أرض الأسئلة الوجودية المرة.

يكتب اليعكوبي القصة الومضة وكأنه ينحت على حجر ضيق: كل كلمة لها ثقل، وكل جملة تحمل قوتها التفجيرية في داخلها. يبدأ من مشهد يومي هش، يعقد مع القارئ اتفاقا ضمنيا على أفق انتظار محدد، ثم يخون هذا الاتفاق بجملة ختامية تعيد بناء النص بأكمله على نحو معاكس. في هذه الحركة المزدوجة - وعدٌ ثم خيانة - تكمن براعة الصنعة، وتنكشف رؤية للوجود التي يغلب فيها التصدع على التماسك، وينقلب فيها اليقين وهما مؤجلا. المفارقة عند اليعكوبي محرك وجودي: الذات تبني صورتها فوق فراغ، تعلن مبادئها وهي غير مقتنعة بها، تنتظر من الآخرين ما لا تستطيع منحه لنفسها، والضربة الأخيرة في كل قصة ليست سوى لحظة انكشاف هذا الفراغ.

تشتغل المجموعة على استعارات تقتات من اليومي والمعيش (الصلع مكاشفة للعري الاجتماعي، الملح أثر للحاجة الأولية، الصفحة البيضاء شاهد على غياب المعنى، موت المؤلف استعارة عن الغياب المتكرر)... وتعيد إنتاجها بوصفها أبوابا للولوج إلى أسئلة الوجود الكبرى. 

في هذه الاستعارات المجهرية تنتقل القصة الومضة من الومضة الضوئية العابرة إلى الومضة الكاشفة، التي تسلط ضوءها الخاطف على ما يختبئ في الظل، فتراه للحظة، ثم تغرقه في العتمة ثانية. وبين الضوء والعتمة، يجد القارئ نفسه معنيا بإكمال ما بدأه النص، فيتحول التأويل إلى جزء من بنية المعنى لا مجرد لاحق عليه.

تقدم هذه القراءة مقاربة لآليات اشتغال "جروح بين السطور" عبر تحليل المرتكزات الثلاثة التي تدعم بنيانها السردي: أولا، بنية المفارقة الصادمة وكيفية اشتغالها منتجةً للمعنى عبر تقويض التوقع؛ ثانيا، الاستعارة اليومية بوصفها أداة للحفر الوجودي في المألوف؛ وثالثا، الوعي الميتاسردي الذي يجعل من الكتابة عن القصة القصيرة جدا مادة للقصة القصيرة جدا ذاتها.

 ينطلق هذا التحليل من فرضية أن المجموعة، بقدر ما تبدو نصوصاً مشتتة حول موضوعات شتى، تنهض على وحدة عضوية، عنوانها الكلي أن "الجرح" الذي في العنوان هو الثغرة المفتوحة بين الوعي البشري بذاته وبين حقيقته العارية التي لا يراها إلا متأخرا.

1. البنية المفارقية

تنتظم قصص المجموعة حول بنية ثنائية الحركة: الأولى بناء أفق توقع عبر جملة تقريرية، والثانية نسف هذا الأفق عبر جملة ختامية صادمة. في قصة "خيبة"ص11، تبدأ الحكاية من يقين الذات بامتلاك رصيد اجتماعي تعدده بعدد خصلات شعرها، ثم تأتي لحظة الانكشاف: "فاكتشف أنه أصلع". الصدمة هنا ذات طبيعة مزدوجة؛ فهي صدمة معرفية بما أن الشخصية تكتشف متأخرة حقيقة جسدها، وصدمة وجودية بما أن فعل العد كان عدا للعدم. الصلع يتحول من صفة جسدية إلى استعارة عن الهشاشة الاجتماعية، وعن رأس المال الرمزي الذي يتبخر عند أول اختبار. القارئ الذي تعاطف مع صوت الشخصية وهو يفتخر بأصدقائه يجد نفسه فجأة شريكاً في هذا الفراغ، فيتحول من متفرج إلى فاعل في إنتاج المعنى الصادم.

في "ما بعد الندوة "14 تتخذ المفارقة منحى أكثر تركيبا. الشخصية تقدم حكما على ندوة ثقافية بقولها "جيدة لكن ينقصها قليل من الملح". القارئ يلتقط كلمة "الملح" بوصفها استعارة عن الطعم والروح، ويمنح المتكلم موقع الناقد. الخاتمة تكشف لقارئها أنه كان ضحية تأويل رمزي لواقع مادي صرف، فحضور الشخصية لم يكن للاستماع وإنما لتناول الطعام. الآلية واحدة لكن النتيجة تختلف؛ ففي "خيبة" كان الوهم وهم الشخصية نفسها، بينما في "ما بعد الندوة" الوهم وهم القارئ الذي منح اللغة حمولاتها المجازية بينما كانت حرفية خالصة. النص يقدم درسا في التأويل: اللغة تخون، والكلمة الواحدة تحتمل ما يفضح المتكلم أو ما يفضح سامعه بحسب موقعه من الحدث.

قصة "تحذير"ص36 تدير الآلية نفسها بمستوى أكثر التباسا أخلاقيا. صانع محتوى ينصح متابعيه باعتزال مواقع التواصل لأنها تسرق الوقت، يمتثلون لنصيحته، فتقل أرباحه. المفارقة هنا لا تستقر على معنى واحد؛ فالنصيحة صحيحة من حيث مبدئها، وتطبيقها يضر صاحبها ماديا. النص يعري البنية المزدوجة للخطاب الرقمي، حيث يتعايش النصح الأخلاقي مع المنفعة الاقتصادية، ويجعل من انفصالهما لحظة التنفيذ اختبارا لأصالة الخطاب. الشخصية لم تكن منافقة بالضرورة، لكنها اكتشفت متأخرة الثمن المادي لصدقها، وهذا الاكتشاف هو مأساتها الصامتة.

2. الاستعارة اليومية مدخلا إلى الوجودي

تشتغل المجموعة على ترسانة من الاستعارات المأخوذة من اليومي والمعيش، وتعيد توظيفها لتصبح نوافذ على أسئلة وجودية كبرى. في "تناقض" ص 29، تقدم الشخصية خطابا عن الرزق بيد الله، ثم تفقد عملها وتنتحر. الانتحار هنا انهيار للنظام الرمزي الذي كانت الشخصية تستند إليه. الفجوة بين الخطاب والفعل تتحول إلى هوة تبتلع الذات. النص لا يعلق ولا يفسر، فقط يترك للقارئ بناء المعنى من المسافة بين الجملتين. هذه المسافة، أو هذا الجرح بين السطور، هو موضع اشتغال المجموعة الأساسي؛ حيث تتحول الومضة السردية إلى سؤال عن الصدق الوجودي، وعن مصير الإنسان حين تنهار القناعة التي كان يعلنها.

في "موت المؤلف" ص46، نجد واحدة من أكثر الاستعارات كثافة وإحالة إلى التراث النقدي. كاتب يموت فيحزن عليه أهله وأقاربه إلا زوجته، التي تبرر موقفها بقولها "لقد عهدتُ وفاته في كل مرة". الجملة تنتج معناها من تداخل مستويين؛ مستوى ذاتي يعبر عن غياب الكاتب المتكرر عن زوجته وهو حي، ومستوى رمزي يحيل إلى "موت المؤلف" بوصفه مفهوما نقديا. الكاتب يموت في كل نص، ينفصل عنه، يتركه للقارئ. الزوجة وحدها رأت هذا الموت اليومي وعاشته، فلم تجد في الموت البيولوجي فرقا. النص يرتقي بالاستعارة العائلية إلى تأمل في طبيعة الكتابة بوصفها غيابا مزمنا، وفي القراءة بوصفها حدادا لا ينتهي.

قصة "طائر لا يموت"ص56 تنتقل بالاستعارة من اليومي إلى الجمعي المقاوم. "كلما مزقهم العدو إلى أشلاء، انبعثوا من جديد / أيقنوا أنهم من جنس الطيور". التمزيق والانبعاث يصبحان هوية، والطائر يصير استعارة مركزية للمقاومة المتجددة. النص لا يفسر من هم هؤلاء، ولا يصف آلية الانبعاث، إنه يكتفي بمنح اليقين الأخير: المعرفة المتأخرة بالذات الطيرية التي لا تموت. الاقتصاد اللغوي يبلغ هنا ذروته، حيث تتحول الجمل الثلاث إلى قصيدة سردية عن نهوض المنهزم.

3. الميتاسرد والوعي النقدي الذاتي

تتضمن المجموعة نصين يشتغلان على التأمل في جنس القصة القصيرة جدا وفي فعل الكتابة ذاته. الأول هو "ق.ج.ج"ص38 الذي يصوغ الموقف كالتالي: "استهانوا بها، لأنها قصيرة جداً وظنوا أنها ستقبل بأي كان / أقبلوا عليها، فرغبت عنهم". النص يمنح القصة القصيرة إرادة وفعلا، فيجعل منها ذاتا ترفض من يستخف بها. هذا التأنيث للقصة والخطاب المباشر عنها يحول النص إلى بيان شعري ضمني. القصر هو معيار فرادة، والقارئ الذي يقبل على القصة القصيرة جدا بحثا عن السهل سيصطدم برغبتها عنه. الجرح بين السطور هنا هو جرح القارئ الذي استخف بالجنس الأدبي فخذله الجنس ذاته. اليعكوبي، عبر هذا النص، يضع قارئه أمام مسؤولية الكفاءة التأويلية، ويعلن ضمنيا أن نصوصه لا تمنح نفسها للقراءة العابرة.

النص الثاني هو "بياض" 58، حيث يعد الكاتب متابعيه بحصيلة قراءات سنة كاملة، ثم ينشر صفحة بيضاء، فيظل القراء "يبحثون عن السطور". البياض يتحول إلى حدث سردي، والصفحة الخالية تنتج معنى من فراغها. هذا النص يحاور مفهوم الكتابة البيضاء عند رولان بارت، لكنه يمنحها بعداً عبثيا: الكتابة تحولت إلى صفر قسري أو ساخر. القارئ الذي يبحث عن السطور في البياض يؤدي فعلا تأويليا بلا نهاية، ويصبح البياض نفسه هو المعنى. النص يسأل، بصمت، عن قيمة الوعود في زمن الاستهلاك الرقمي، وعن العلاقة بين المؤلف والقارئ حين يختار الأول الصمت بدل الكلام.

4. الشعرية المقتصدة وأدوات التحليل

الكتابة في "جروح بين السطور" تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ «الشعرية المقتصدة» التي تصلح أداة لتحليل المجموعة. هذه الشعرية تقوم على مبدأين: التكثيف والانزياح. التكثيف هو ضغط البنية السردية إلى أقل عدد من الجمل مع الاحتفاظ بطاقة إنتاج المعنى. الانزياح هو خرق أفق التوقع عبر جملة ختامية تصدم القارئ وتجبره على إعادة بناء الحكاية من جديد. هذان المبدآن يشتغلان معا في كل نص من نصوص المجموعة دون استثناء.

قصة "وهم"ص30 تجسد هذا الاشتغال بدقة: شخص يصور مقطعا عن فائدة الاستيقاظ باكرا، أعده للتنزيل، ينام، يستيقظ الواحدة ظهرا فيجد المقطع قد نُشر. التكثيف يحذف كل تفاصيل التصوير والنشر والنوم، ويبقي على العظام السردية: فعل النصح، وفعل النوم، وفعل الكشف. الانزياح يكمن في اكتشاف أن النصيحة نُشرت بينما صاحبها نائم، وأن الزمن انقلب على صانعه. النص ينتج تأويلات متعددة: عن نفاق المؤثرين، عن الفجوة بين الصورة المنتجة والذات الحقيقية، وعن سخرية التكنولوجيا التي تنشر ما لا نعيشه.

في "تصيد"ص16، التكثيف يجمع بين الفوز الأدبي والهفوات اللغوية والتعليقات المشككة في مصداقية المسابقة. الانزياح يقع حين تتحول الهفوات، وهي أثر من آثار الفرح، إلى دليل ضد الفرح نفسه. اللغة التي منحت التتويج تصبح سببا في سحبه، والمفارقة تنشأ من أن الجمهور صدق الهفوات ولم يصدق الفوز. النص يُعري آليات التشكيك الرقمي وهشاشة التتويج الأدبي في فضاء تتداخل فيه الكتابة بالصورة عن الكاتب.

5. وحدة الجرح وتعدد أسئلته

يمكن تلمس وحدة عضوية في المجموعة رغم تنوع موضوعات النصوص. هذه الوحدة مصدرها سؤال جوهري يتكرر بصيغ مختلفة: ما الذي يحدث حين ينهار الوهم الذي نعيش به؟ كل قصة تجيب عن هذا السؤال بطريقتها: في "خيبة" الوهم ينهار بالكشف عن الفراغ الاجتماعي، في "تناقض" بالانتحار، في "موت المؤلف" بالاعتياد على الغياب، في "بياض" بالصمت، في "تحذير" بخسارة الأرباح. الجرح واحد لكن أشكاله متعددة، وهو يقع دائما في الفجوة بين ما نُعلنه وما نعيشه.

هذه الوحدة الموضوعية تتضافر مع وحدة بنيوية هي بنية الومضة ثنائية الحركة التي سبق تحليلها. اليعكوبي لا يخرج عن هذه البنية إلا فيما ندر، مما يجعل المجموعة أشبه بثيمات موسيقية تتكرر بإيقاع واحد، لكن بتنويعات تمنع الرتابة. التكرار هنا وظيفي؛ فهو يرسخ في القارئ انتباها خاصا للجملة الأخيرة، ويعلمه كيف يقرأ هذا النوع السردي الذي يحتاجُ إلى تدريب على اقتناص المعنى من الصدمة.

6. القارئ الضمني واستراتيجية التلقي

تطرح مجموعة "جروح بين السطور" تصورا معينا للقارئ الضمني الذي تُخاطبه. هذا القارئ مُطالب بكفاءة تأويلية عالية، وبقدرة على إعادة بناء الحكاية انطلاقا من خاتمتها الصادمة. استراتيجية التلقي تقوم على خداع مؤقت يتبعه كشف، واللذة الجمالية تنشأ من إعادة تنظيم المتن الحكائي بعد ضربة النهاية. قارئ هذه المجموعة شَريك في إنتاج النص، وعليه أن يملأ الفجوات التي يتركها السارد عمدا.

في قصة "تحمس" ص 32، يكتب أحدهم كلمات تنتهي بنفس الحرف، فيوصف بالشاعر، ويصدر ديوانا. النص لا يقدم جملة صادمة بالمعنى المتوقع، لكن الخاتمة التي تشير إلى إصدار الديوان تحمل سخرية مبطنة من تضخم موهبة لا وزن لها. القارئ مطالب بإدراك الفجوة بين سبب الشهرة (كلمات متناغمة الحرف) وبين نتاجها (ديوان كامل)، وتأويل السخرية الكامنة في هذا التضخم. النص لا يصرح بشيء، ويترك للقارئ أن يقرر ما إذا كان أمام هجاء للشعر الرديء أم لجمهور يصفق للقافية وحدها.

خلاصة

تمثل مجموعة "جروح بين السطور" إضافة نوعية إلى نوع القصة الومضة في الكتابة العربية المعاصرة، بما تنهض عليه من شعرية مقتصدة تقوم على التكثيف والانزياح، وما تطرحه من أسئلة وجودية عبر استعارات تستمد مادتها من اليومي والمعيش، وما تنتجه من وعي نقدي ذاتي بالكتابة يتجسد في نصوص ميتاسردية تنظر للجنس الأدبي وتشترط قارئاً كفؤاً. المجموعة تنجح في أن تجعل من الإيجاز أداة للتعمق، ومن المفارقة محركاً للتفكير، ومن الألم اليومي مادة للأسئلة الكبرى، مؤكدة أن القصة القصيرة جداً لا تختزل المعنى بل تضغطه حتى ينفجر في يد قارئه.

مجلة فن السرد | قراءات ودراسات


التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث