لم يكن سوى صباح يوم شتائي بارد، ولم يكن موتها سوى خبر عابر احتل حيزا صغيرا من الجريدة المتقلبة بين يدي هذا المرتاد الوفي لمقهى "باسم".
قرأ الخبر، فحوقل في جزء من الثانية، ثم ضحك من هذه النهايات العبثية المتربصة بالإنسان، وبعدها، تابع تقليب الصفحات إلى أن استقر على أخبار الرياضة.
انفرطت دقائقه على هذا النحو، ولما التحق به زميل دربه في العمل والتقاعد والمقهى؛ استقبله ضاحكا:
_ تعال يا نور الدين، فقد وجدت لك موتا مناسبا.
قلب صفحات الجريدة بادي النواجذ ثم مدها نحو نور الدين مشيرا بإصبعه إلى موقع الخبر؛ فقرأ السطور أثناء اللحظة الفاصلة بين انحنائه وجلوسه ثم ضحك:
_ لم يذكروا نوع النبتة.
سرى سرطان الضحك فيهما، وبين خرخرات القهقهات تقاذفا تعليقات ساخرة:
_ تخيل لو أنها نبتة صبار
_ سيكون موتا شائكا
_ ربما تكون…
_ لا لا، إنه "لْحْبَق"، فهو يطرد البعوض، لذلك لم يمهلها طويلا…
النادل المعتاد على هذين الوجهين، انخرط معهما في نوبة الضحك دون أن يعرف السبب. قدم لهما فنجانيهما وأخرج من جيبه جهاز التحكم، فاشتعلت الشاشة المعلقة أمامهما.
أمضيا بعض الوقت متأملين تدفق مشاهد الموت المعروضة وما يتخللها من تحليلات. كان الدخان يتماوج فوق رأسيهما قبل أن يتلاشى كما يتلاشى حنينهما إلى أيام الشباب، حنين لا يلوح في عيونهما، لكنه يلتصق عنيدا، كطفل بلعبته، على جدران روحيهما الهاربتين نحو ركن المقهى.
تسرب السأم إلى نفس نور الدين؛ نفخ بضيق، ثم رفع الجريدة أمام عينيه وتملى الخبر المشؤوم المضحك الناطّ في جحور ذهنه كوسوسة شيطان:
"انتقلت إلى جوار ربها، المدعوة قيد حياتها ج.ك، إثر تعرضها لحادثة أليمة في طريق عودتها من السوق حاملة قُفّة مقتنياتها، حيث سقط على رأسها أصيص فخار، فأرداها في الحين.
تغمدها الله بواسع رحمته، وإنا لله وإنا إليه راجعون"
_ ما هذا الهراء؟ (صرخ ضاربا بظهر يده على الجريدة) أهذا خبر ينشر بهذه الطريقة الدنيئة؟ يستهترون بموت المرأة؟
ذُعر زميله من انتفاضته الطارئة، من وقوفه المضرج بحمرة رآها تتراكم عكس الجاذبية. تعجب من هذا المازح قبيل قليل بشأن الخبر، أتراه تخيل نفسه مكان المرأة فوخزه ضميره؟
امتص سيجارته ثم مج دخانها، موقظا العفريت الساكن جوف مصباح روحه، ليرسخ امتعاضه بدل تحقيق أمنياته، ليُثخن البلعم المرير المتورم في حلقه، الطافح في حشرجة صوته حين قال:
_ موت هنا (مشيرا إلى الشاشة)، وموت هنا (مشيرا إلى الجريدة)، ونحن نتفرج.
أردف قوله بصمت لم يجرؤ أن يقاطعه فيه أحمد العليم بطبع صاحبه، الراغب في تراجعه عن هذه الفورة عسى ينعم بهدوء صباحاته المعتاد، لكن نور الدين، كان كما لو أن جذبة عيساوية انتزعت روحه وأرسلتها نحو عوالم موازية؛ رأى في عوالمه أنه راجع إلى بيته، يحمل قوت يومه، فإذا بأصيص فخار يهوي على جمجمته محدثا فرقعة مرعبة. رأى التراب الأسود متناثرا، يمتزج به دمه كأنما يصنع عجينة الإنسان الأول. رأى شظايا الأصيص، وبينها نبتة صبار تهمس له: "أنا موتك الشائك".
استيقظ من شروده على مشاهد الجثث الغزاوية المعروضة على مستطيل الشؤم أمامه؛ فاقتنصه شرود آخر، رأى فيه رصاصة تشق الهواء أمامه قاصدة ما بين عينيه، رأى فيها رذاذا أحمر يتطاير قدامه وزرقة شاسعة تغطي الأفق عرف فيها السماء، بدت له في أجمل أوضاعها الممكنة، ثم أحس بألم فظيع بدأ مثل ضربات مطرقة على جبهته ثم انتشر في كل رأسه، وانتابته حرارة شديدة كأنها قُدت من شرر الجحيم، ورغم ذلك، فكر أنه _على الأقل_ لا زال حيا، لأن الرصاصة التي تقتل لا تؤلم، من الذي أثبت له صحة هذه المعلومة؟ السؤال الأخير، أيقظه من شروده الثاني فزعا تكاد عيناه تغادرانه، وبدت أنفاسه كأنما بُثّت فيه بعد اختناق. لمح في المطفأة بقايا دخان تتصاعد من عقب سيجارة دخنها آنفا؛ فعلم أن انسلاخه الروحي لم يتجاوز ثواني معدودات، فانهدّ مثل جبلٍ يوم القيامة.
انتفض صاحبه لصوت الارتطام، وهمّ يتحسس الفم المفتوح للرأس المسنودة على الأريكة، فاسترعاه خطان شفافان يشقان الوجنتين، واطمأنت نفسه حين وجد عينيه ترمشان، ثم تردد قبل أن يلمس جبين نور الدين، وبمجرد أن فعل، تسلل شواظ ناري من أنامله واستشرى في أوصاله فاستوت شعيراته كأنها تعرضت لتماس كهربائي. ندّ عنه رد فعل السحب مصحوبا ببروز العينين وشهقة مثل صرير سيف خارج من غمده.
سيعلم أحمد، بعد لحظات الفزع المبتورة من أحلك تجاويف الزمن، أن اطمئنانه العابر سيتبدد بعد حين، وأنه سيهلع لطلب النجدة لصديقه، وأنه سيعود إلى ركن المقهى بعد أيام معدودات، وسيقبع فيه وحيدا يحدث نفسه أو يحدق في الشاشة و الجريدة، وأنه، بعد سنة واحدة بالتمام والكمال، سيغيب عن ركن المقهى، الذي سيمنح نفسه لذاكرة جديدة، يترفه بأصحابها إلى حين.


إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا