إلى أين يسير الذكاء الاصطناعي بذائقتنا الأدبية؟ | أحمد شرقي

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

إلى أين يسير الذكاء الاصطناعي بذائقتنا الأدبية؟ | أحمد شرقي

المبدع أحمد شرقي

 إلى أين يسير الذكاء الاصطناعي بذائقتنا الأدبية؟ | أحمد شرقي 

في السنوات القليلة الماضية، كنا نتساءل، بوصفنا منتمين إلى الحقل الأدبي العربي، وفي ظل غزو الذكاء الاصطناعي لشتى المجالات، وتهديده لبعضها بالزوال.. هل باستطاعة هذا الوافد الجديد على عالمنا أن يُنتِج أدبا؟

لكن سرعان ما تبخر هذا السؤال، بعدما قدمت برامج؛ مثل Chatgpt التابع لشركة OpenAI، وGemini المطوَّر من قِبل شركة Google ، وClaude التابع لشركة Anthropic، وغيرها، أجوبةً فاصلة.. نعم، يمكن أن يُنتج الذكاء الاصطناعي شِعرا ونثرا ونقدا، يكفي - فقط - أن نعطيه أوامر (prompt) محددة وتوجيهات مركزة.

وقد أكد ذلك ما تداولته بعضُ وسائل الإعلام بخصوص فوز الكاتبة اليابانية ري كودان بإحدى الجوائز الأدبية المرموقة في بلادها، وتصريحها، عامَ 2024، بأنّها اعتمدت على روبوت المحادثة "شات جي بي تي"، وعربيا أيضا نُشرت بعض الروايات التي اعترف ناشروها بأنها مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، أو بتعاونٍ معه بعد توجيهه طبعا.

لقد دفعني الفضول المعرفي إلى محاورة بعض هذه البرامج، ومحاولة (توليد) قصص قصيرة، وهو مجالُ إبداعِي الأول، لأتوصل إلى أن هذه (الروبوتات) تنتج فعلا نصوصا، لكنْ هل لها قيمة جمالية؟ وهل يمكن تصنيفها ضمن جنس القصة القصيرة، الذي له مقوماتٌ تميزه عن غيره من الأجناس الأدبية؛ مثل التكثيف والاقتصاد اللغوي ووحدة الانطباع؟.

فهذه الخصائص الفنيةُ تحتاج إلى تمكنٍّ وضبط للّغة، وتطويعها؛ للقدرة على اقتناص اللحظات العابرة، والتفاصيل الصغيرة، التي تترك دهشة وأثرا في المتلقي. لكني أكادُ أجزم بأن ما يُنتجه الذكاء الاصطناعي - اليوم تحديدا، وهو في بداياته - لا يمتّ للقصة القصيرة بِصِلة؛ إذ يتعلق الأمر بجُمل إنشائية ركيكة، تعتمد لغةً تُذكّرنا ببعض الترجمات الرديئة من لغات أجنبية إلى اللغة العربية، وهو ما يرجع - ربما - إلى تصميم هذه الروبوتات لتتماشى - في الأساس - مع متطَلَّبات (الزبناء) ممّن يستخدمون اللغة الإنجليزية؛ ممّا يعطينا نصوصا عربية ضعيفة، ما قد يفْطن إليه قارئ هاوٍ، اعتاد على قراءة نصوص لمبدعين عرب، أمضوا في إنتاجها ردحا غير يسير من الزمن كتابةً وتنقيحاً.

الأمر نفسه، وقفت عنده عندما طلبت من تلك البرامح تدقيقَ بعض النصوص لغويا، لأكتشف أنها عاجزة عن القيام بالمطلوب، بل إنها تعوض أحيانا الصواب بالخطإ! لكنْ ماذا عن القُراء الجُدُد؟.. ماذا عن الجيل الجديد حديثِ العهد بالقراءة، الذي سيصادف أعمالا قصصية عربية، منشورة ورقيا وإلكترونيا؟

ستتكوّن، دون شك، لدى الجيل الجديد من قرّاء الأدب، صورة غير صحيحة عن معايير فن القصة القصيرة ، في حال لم يبحث ويطّلع على كلاسيكيات رواد القصة؛ من أمثال: إدغار ألانْ بو، غي دي موباسّان، أنطوان تشيخوف... وروائع رُوادها من الكتاب العرب؛ كـزكريا تامر، يوسف إدريس، غسّان كنفاني، أحمد بوزفور، أنيس الرافعي... وستترسّخ هذه الفكرة عن قصة "إنشائية" جديدة، في حال أقبل بعض الكتاب، هواة كانوا أو محترفين، على نشر كتب قصصية معتمِدة على الذكاء الاصطناعي، وتقديمها للقارئ العربي، دون أدنى احترام للأمانة الأدبية.

إن الذوق الأدبي، بتعبير أرنولد بينيت (Arnold Bennett)، في كتابه "الذوق الأدبي.. كيف يتكون؟"، هو "الموهبة التي لا نظير لها من حيث الأناقة أو القوةُ في التأثير على المُرائين من أبناء العالم المتحضِّر" (ص 8). ومما لا شك فيه أن هذا الذوق يختلف من زمن إلى آخر، ومن جيل إلى آخر؛ إذ عاشت علاقتنا مع اللغة والإبداع - وما زالت - تحولات مستمرة؛ نتيجة التغيرات التاريخية والاجتماعية، لكنْ ما ينتجه الذكاء الاصطناعي اليومَ، في النثر والقصة القصيرة تحديدا، بعيدٌ كل البعد عن القصة، لأن الفعل الفني والأدبي يصبح قائما على توجيه المبدع للذكاء الاصطناعي، وبالتالي يتحول الكاتب/القاص من منتج أوحد إلى مدير إبداعيّ، وهو ما قد يفضي بنا إلى خلخلة ماهية الأدب وجدواه,

قد أزعم، ختامًا، من خلال تجربتي الشخصية المتواضعة، أن الذكاء الاصطناعي يولّد حاليا قصصا متشابهة، لا يمكن عَدُّها فنا قصصيا، بقدْر ما يمكن تصنيفها ضمن خانة حكي جافّ أو ملخصات لقصص؛ لأن القصة القصيرة، والإبداع عموما، يشبه بصمات أصابع اليد.. لكل قاص دمغته وبصمته الخاصة، استنادا إلى مرجعياته الثقافية واللغوية وغيرها... ويرى أرنولد بينيت، في هذا السياق، أن "صانعي الأدب هم أولئك الأشخاص الذين شهدوا وشعروا بالمتعة الرائعة لهذا الكون، وأعظمهم هم ذوو الرؤية الأشمل، والإحساس الأقوى والأعمق" (ص 11)، وهو ما يتنافى مع ما ينتجه الذكاء الاصطناعي من "قصص قصيرة" رديئة ومصطَنَعة؛ فيسير بذائقتنا الأدبية إلى الهاوية، ضاربا عرض الحائط مقومات الأدب القصصي المتعارَف عليها منذ مئات السنين، ومتعارضا مع القيم الفنية والجمالية العامة، التي تتأسس على الإنتاج البشري، وعلى الأحاسيس الإنسانية.

يبدو أن التوظيف الأنسب للذكاء الاصطناعي أدبيا؛ هو أن نستفيد مما يوفره من الناحية التقنية من حيث التصميم والتنسيق.. لا أن نعتبره شريكا في صياغة النصوص، وننشرها على أنها نتاج مجهود شخصي، والأمر نفسه يسري على أشكال الكتابة الإبداعية الأخرى، وعلى البحث العلمي أيضا.

نُشر هذا المقال في جريدة العربي الجديد بتاريخ 03/04/2026 الرابط

مجلة فن السرد | قصتي

مجلة فن السرد | زوايا


التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث