عن دار الخيام للنشر والتوزيع، صدرت الطبعة الثالثة لرواية "زوجة الملوك الثلاثة" للروائي المغربي مصطفى لغتيري، والتي ظهرت طبعتها الأولى عن دار روافد بالقاهرة عام 2023.
تحكي الرواية عن امراة وسمت تاريخ المغرب بسمات قوية من خلال مساهمتها في بناء الدولة المرابطية، إذ كانت المستشارة المقربة للأمير المرابطي يوسف بن تاشفين الذي امتد حكمه إلى الاندلس شمالا، وبلاد غانا جنوبا والقيراون شرقا. وهذه المرأة ليست سوى زينب النفزاوية، التي عرفت بجمالها وقوة ذكائها ودهائها.
ومن أجواء الرواية:
"لن أتزوج إلا رجلا يحكم المغرب بأكمله"
ماذا دهاني؟ ما الذي جعلني أطلق هذه العبارة بكل هذه البساطة، دون أن أراعي أنني ألامس منطقة خطرة لا أدري عواقبها، هكذا بكل سلاسة ويسر أطلقتها.. حرة تدحرجت من لسان تدرب على صوغ الكلمات، واستقبلتها الأسماع بذهول، فما لبثت أن سار بذكرها الركبان.. لا أدري كيف طاوعت نفسها تلكم العبارة النزقة، وخرجت حروفها هكذا مثيرة قوية ومختالة، دون أن يكبلها خوف أو خجل، وأي لغة تلك، التي أسعفتني في قولها، فأصبحت قيدا يكبلني، لا أستطيع أن أتراجع عنه قيد أنملة، خرجت من فمي كأفعى طردها القيظ من مكمنها، فانسابت في دنيا الله، حاملة سمومها في أنيابها، تبثها هنا وهناك، دون أن تتخلص من ملمسها الناعم المخادع. لقد ذاعت تلك العبارة وشاعت، حتى أصبح الناس يتندرون بها في مجالسهم الخاصة والعامة، منهم من اعتبرني مغرورة مدعية حمقاء، لا أعي ما أقول، ومنهم من ذهب أبعد من ذلك فرماني بالسحر والكهانة والشعوذة.. ومنهم من برر طموحي بالنظر إلى الجمال الذي حباني الله به، والغنى الفاحش الذي أتمتع به، فالجميع يعرف ما أستحوذ عليه من ثروة، خيالية كانت أو حقيقية، فيكفي أن يرتبط اسم أبي بالتاجر، ليعتقد الجميع بأن ثروتنا طائلة، لا تقدر بمقدار ولا يحصرها عد.
حينما كانت أذناي تتلقفان كل ما يشيع بين الناس ويتداولونه عني، كنت فقط أبتسم في داخلي ابتسامة خفرة، تخفي أكثر مما تبدي، ابتسامة الظافر، الذي يشعر بالزهو في داخله دون ان يقوى على إعلان ذلك في العلن. أفعل ذلك بتحفظ كلما كنت وسط مجموعة من الفتيات، وحينما أتخلص من مرافقاتي، وأصبح وحدي أقهقه قهقهة انتشاء ملء الفؤاد، وأنا أتخيل مدى الأثر الذي خلفته كلمات عفوية، لم أفكر فيها كثيرا حين تلفظت بها، بل ألقيتها عفو الخاطر في تجمع نسائي، كانت المباهاة والمنافسة الشرسة العملتين الرائجتين فيما بينهن.. كل امرأة تشحذ ذهنها ولسانها لتأتي بما لذ لها من خيال، هدفها أن تعلق الأبصار بها، وتغيظ الأنفس وتتعب القلوب، وتجعل الأذهان تكد في الفهم وما هي بقادرة على ذلك، حتى لو شاءت، فما كل ما يريده المرء يناله، فهذه تدعي أن مهرها قافلة من الجمال يعجز الرائي عن رؤية آخرها، وتلك تزعم أن زوجها اتاها بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وثالثة أهداها أبوها بمناسبة زواجها أرضا بغلالها، لا تحدها إلا الإبل حيثما توقفت عن الرعي.



إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا