القصة الفائزة بالمرتبة الأولى في مسابقة "فن السرد" الدورة 10 | مملكة الدخان | مصطفى ملح
في البدء كنتُ الدخان، وما زلتُ. كائنٌ هشّ، لي هويةٌ من ارتجاف، ووجودٌ زئبقيّ يأبى أن يستقرّ على هيئة. قبل أن أذوب في العدم، أقدّم نفسي كما أنا: دخانٌ بلا جوهر ثابت. بنيتي خليطٌ غامض من جزيئاتٍ صلبة وأنفاسٍ غازية، أتمدّد، أتشكل، أتحلل، ثم أعود فأُبعث في صورة أخرى. أنا سليلُ الاحتراق، وربيبُ التحوّلات، ابنُ النار والهواء، وتوأمهما العابر.
لي ماضٍ، رغم هشاشتي.
كنت يومًا عشبة تهتز تحت شمس كوبا، أتمايل أمام الريح، وأحلم بأن أكون أكثر من ورقة خضراء منسية. حين قطعوني، وجففوني، وسحقوني، لم أصرخ. كنت أعرف أن لكل تحوّل ثمنه. لفّوني في كفن أبيض وسمّوه سيجارة. ثم جاءت شعلة صغيرة، دقيقة، لكنها حاسمة، فالتهمتني. في تلك اللحظة، لم أمت… بل انزلقتُ إلى شكلٍ آخر من الوجود: صرتُ فكرة، ظلًا يتمايل في الهواء، وأثرًا بلا جسد، وحضورًا لا يُمْسَكُ به، لكنه يُرى.
لكنني لست وحدي. في عالم الأدخنة، لكلٍّ منّا طبيعته الخفيّة ومزاجه المتقلّب، ولكل دخانٍ حكايته الخاصة ومصيره المكتوب.
دخان السيجار أنيق وكثيف، يمشي في الهواء مزهوّا بغرورٍ برجوازي، ويتعالى بعجرفة. أما دخانُ الفرن فكادح ومرهق بالحرارة والرماد، لا يعرف للراحة معنى، دائمُ الحركة تحت وطأة اللهب. فيما دخانُ البركان هادر مهيب، يثور على السماء، ويهدد النجوم بغضبه الميثولوجي. بينما دخان الحرائق عدميّ، متحدٍّ للفناء، صوته صرخةٌ صامتة تتحدى الزوال. وأخيرًا، دخانُ البخور صوفيّ، عطره نورٌ في قلب الظلام، يذكّرنا بأن بعض الأدخنة تحمل السلام وسط الدمار.
نحن — الأدخنة — نتقاطع حين يختلط الهواء بنا ويعيد خلط مصائرنا، وحين يبدأ انعقادُ المجلس العائم لمملكة الدخان. كنتُ أنا، دخانَ السيجار، أتصدّر المجلس كزعيمٍ يضع تاجًا زائفًا. أتكئ على روحي المتصاعدة، أخاطب الحضور من علياء هشاشتي:
«أيتها الأدخنة، نحن لا نولد لنختفي... بل لنؤجّل اختفاءنا! لن نتلاشى خضوعًا لمشيئة الهواء. فلنتحد ضد الزوال».
ارتفعت الهمهمات، ثم تتابعت الأصوات. قال دخانُ الفرن، بصوتٍ أنهكه الكدح:
«كلماتك جميلة، لكننا ضعفاء أمام الريح والزمن. هل لديك خطة غير الكلمات؟».
وهدر دخان البركان:
«أنا لا أهاب الفناء! سأُحرق السماء وأَطمس النجوم!».
وأضاف دخان الحرائق بنبرة مشتعلة:
«لا تثقوا بالريح، إنها تخدعنا، وإن اضطررتُ سأنتقم!».
أما دخانُ البخور، فتكلّم بهدوءٍ شفيف:
«ليست كل الأدخنة أدوات دمار. بعضنا صلواتٌ عابرة، وبعضنا ضياءٌ وسط العتمة، وبعضنا رسائل مقدسة تحملنا إلى أمكنة أخرى».
في تلك اللحظة، انبثق من أقصى أركان المجلس صوتٌ هادئ، كأنه يأتي من مسافة أقدم من النار نفسها، يحمل همس هيراقليطس:
«كلُّ شيء يتغيّر، لا شيء يبقى كما هو».
توقف الجميع برهةً قصيرة، وكأن الزمن ذاته مال برأسه ليصغي إلى كلماته. ثم انساب صدى آخر أعمق، خرج من جوف الدخان على لسان هايدغر:
«الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يكون وجوده سؤالًا بالنسبة إليه».
ساد صمتٌ خفيف، قبل أن تبدأ الأدخنة في التشابك والارتجاف في الفضاء، كلُّ واحدةٍ منها تتشبّث ببقائها، وتحاول الصمود في وجه التلاشي. وفجأة، اقتحمت الريح المجلس. كانت قوية، متعجرفة، تضحك بسخرية باردة، وقالت:
«كم أنتم ساذجون… تدّعون الخلود، وأنتم لحظة عابرة لا وزن لها. لن أقتلكم... أنتم ستموتون وحدكم».
تصاعدت الأصوات في المجلس، وبدأت الأدخنة في مقاومة الاضمحلال، تتشبّث بالفراغ كما لو كان ملاذها الأخير، محاولة الحفاظ على حضورها في الفضاء الهشّ. سالت دماؤها الرمادية، وراح الهواء يشربها برويّة، لكنها لم تفقد الأثر ولا الصّدى، بل بقيتْ بصماتها حاضرة رغم الزوال المؤجّل.
بعد ذلك، سمعتُ الريح تناديني من وراء الفضاء:
يا دُخان السّيجار... أنت تحرّض الأدخنة عليّ!
لم ألتفت إليها، ولم أعرها أي اهتمام.
مضيتُ في طُرُقِ الهواءِ ترافقني بقيّةُ الأدخنة. نتحوّل، ونعود في الأفران والمقاهي والمعابد والبراكين، نحكي قصصًا جديدة، ونعيش كل زمنٍ، وكل موتٍ، وكل ولادةٍ.
كنتُ مقتنعًا بأننا — نحن الأدخنة — لا نموت… نحن فقط نبدّل طريقة غيابنا.


إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا