القصة الفائزة بالمرتبة الثالثة في مسابقة "فن السرد" الدورة 10 | عشاء مع أبجدي
دخلتُ المطعم خلفَ والديَ المتقاعد. كنتُ أتساءل، كما دائماً، كيف سيدفع ثمن العشاء هذه المرة. جلسنا بصمت بينما كانت أصوات المطارق تملأ الشارع من ورشة بناء مجاورة، كأنما يطرقون الوقت نفسه ليصبح أكثر متانة.
انتبهتُ ليده. الأصابع العجوز تتلمس حروفَ قائمة الطعام وكأنها تقرأُ لغة برايل خاصة بها. شفتاهُ تتحركان دون صوت، نظرَ لي: "هم يقولون إنّ العملة الورقية ستختفي. كل شيء سيصبح بهذا"، وأشار إلى هاتفي الموضوع على المائدة، وأكمل: "ولكن ماذا سيفعل الجيل الذي ما زال يتلوّن حبر نقوده من عرق جبينه؟ من سيشتري حبرهم؟"
أردتُ أن أقول شيئاً، لكن النادل أقبل وتدلّى كفاكهةٍ ناضجة...
نظر والدي إلى النادل الشاب طويل القامة، ثم قال كعادته: "بم توصي؟"
ارتسمت على وجه النادل ابتسامة مشدودة كوتر كمان على وشك الانقطاع وأخذ يتلو أصناف طعام بأسماءٍ إيطالية وفرنسية. بكلمات تتدلى كعقد لؤلؤ على صدر المساء، كان صوتُه يُفصِّلُ الهواءَ تفصيلاً جميلاً.
توقف عند صنفٍ من "البيتزا". جمّعَ والدي قواه كمن يحشو الرئةَ بهواء العمر. وكَرَّرَ الاسمَ بصعوبة. فخرجت الكلمات من فمه متعثرة، مكسورة الجناحين: "بيزا... د... كامو... نشيري؟"
ارتعشتْ شفةُ النادلِ كورقةٍ على شجرةٍ تهزُّها ريحُ تهكُّم خفية، وقبل أن يعلّق، سارعتُ أنا، كأنني أريد أن أمدّ يدي إلى لسان أبي، فقلتُ: "بيتزا دي كامبيو نوتشيري... هكذا؟"
نظر النادل إليّ، ابتسم ابتسامةً أكثر ليونة ولباقةً، وقال:" تماماً سيدي"
في تلك اللحظة. رأيتُ أبانا الذي علَّمني ذات يوم أن الحرف العربي له بطنٌ وظهرٌ وجَناحان، يُحرِّكُ شفتيه بصمتٍ وهو يحاول تفكيك لغز ذلك الاسم الإيطالي، حرفاً حرفاً، كما كان يفكك أجزاء محرك سيارته القديمة في مرآب البيت: برقّةِ الجرّاح الذي يخشى على الحياة بين يديه. كان وجهه مثل لوحة بيضاء يحاول أن يخط عليها بقلم رصاص خفي كلماتٍ لم يعد أحدٌ يتقن قراءتها سواه.
قال بعدها للنادل: "سآخذها".
جاءت البيتزا كقرص شمسٍ منفوخ، فأكلَها بنَهَمٍ غريب، وكأنه يأكلُ الصَّوْتَ نفسه، يأكلُ ذلَّ اللسان الذي تقادم. لم ينبسْ ببنت شفة طوال الوجبة. الصمتُ كان طبقَنا الجانبيّ الوحيد، تقاطعهُ قضماتٌ جافةٌ وطرقات المطارقِ البعيدةِ التي لا تتوقّفُ عن تشكيلِ العالم.
في طريق العودة، كان وجههُ يتلوّنُ بأضواءِ الإشاراتِ كصفحةٍ تقلبها ريحٌ عاتية. قال فجأةً، وكأنّ الكلمةَ تفلتتْ من سجنِ الصمت: "اليوم فقط، اكتشفتُ أن الحرف العربي هو الأجمل؛ يحمل في بطنه سرَّ بقائه، أما حروفهم...". ثم أخرج محفظته البالية، فتحها -ككتابٍ مقدس- على صورةٍ فوتوغرافية صغيرة ملونة فيها بيتنا القديم بحديقته اليانعة. نظر إليّ وقال: "هذا كل ما تبقى. بيتٌ تهاوى، وشجرةٌ صارت شوقاً. وأنتَ... ماذا سيبقى منك؟"
توقّفتُ عند الإشارة الحمراء. كان اللونُ يغسلُ زجاجَ السيارة بلونِ الخجل. أحسستُ أنّ كلَّ حرفٍ في حنجرتي صارَ حملاً ثقيلاً. وكل الكلمات التي سأنطقها قد صارت مسؤولية. تذكّرتُ يديه الكبيرتينِ تغلفانِ يديّ الصغيرتينِ ونحن نكتبُ اسمي لأول مرةٍ، والحرف ينمو بين أصابعنا كشتلة صغيرة. الآن الحروف التي أعرفها كثيرة، لكن يدي تكتب وحيدة.
"سيبقى زرع يديك"، همستُ والكلماتُ تضيعُ في زئير المحرّك. ابتسمَ ابتسامةً أتتْ من حفرةٍ في الذاكرة. وضعَ يدَهُ على يدي الساكنة فوق ناقل الحركة كانت كخريطة مدينة غارقة، ما يزالُ دفءُ شوارعها تحت الماء.
وأنا أنسابُ بالسيارة في شريان الليل، شعرتُ أنّي أحملُ نعشَ لغة. وفي المرآة، رأيتُ طفلًا يجلسُ في الخلف، يحملُ بين راحتيهِ قلبين: واحدٌ يغني، وآخرٌ ينحب...
الشارعُ يمتدُّ أمامنا، والمطارقُ ما تزال تدقّ، وكأنها تطرقُ ساعةً عملاقة لن نسمع دقاتها أبداً.


إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا