تفكيك السلطة وإعادة بناء الذات في رواية "موت مع مرتبة شرف" لجمال الحيان | أرحال ياسين

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق


 تفكيك السلطة وإعادة بناء الذات في رواية "موت مع مرتبة شرف" لجمال الحيان | أرحال ياسين

تعد رواية "موت مع مرتبة شرف" للكاتب جمال الحيان الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون سنة 2025، عملا سرديا مكثفا يندرج ضمن تيار "الأدب المقاوم"، الذي ازدهر في المشهد الثقافي العربي خلال العقدين الأخيرين، متأثرا بتحولات سياسية عميقة شهدتها المنطقة. 

تفكيك السلطة وإعادة بناء الذات في رواية "موت مع مرتبة شرف" لجمال الحيان | أرحال ياسين


يحمل العمل عنوانا يحيل إلى مفارقة كبرى، إذ يجمع بين الموت بوصفه نهاية الحياة و"مرتبة الشرف" بوصفها قيمة سامية، ليشكل هذا المزيج إشكالية مركزية سيعمل النص على تفكيكها وإعادة تركيبها عبر فصوله المتعددة. يقع العمل في ثلاثة وعشرين فصلاً، تتوزع بين السرد الواقعي والتداعي الذهني والتأمل الفلسفي، ليشكّل نسيجا سرديا معقدا، يعبر عن رؤية كونية متكاملة تسعى إلى تفكيك آليات السلطة بمختلف تجلياتها، وإعادة بناء مفهوم الذات في زمن فقدت فيه القيم الإنسانية قيمتها.

عند قراءة العمل، يجد القارئ نفسه أمام نسيج سردي يمزج بين الواقعي والرمزي، بين السيرة الذاتية والملحمة الجماعية، بين صوت الفرد وصدى الجماعة. هذا التداخل ينم عن وعي عميق بمعضلة الكتابة في زمن الاستبداد، حيث يصبح النص الأدبي محكوما بعلاقات قوى معقدة، ويضطر الكاتب إلى توظيف آليات بلاغية ورموز متعددة للتعبير عن واقع لا يمكن وصفه مباشرة. لذا تختار هذه الدراسة المنهج التفكيكي (Déconstruction) بوصفه أداة منهجية مناسبة لقراءة هذا العمل، انطلاقاً من أن الرواية تعمل أساساً على تفكيك الثنائيات المتضادة التي قامت عليها الخطابات السلطوية التقليدية: الحرية والقيد، الذات والآخر، الحضور والغياب، الحقيقة والزيف، الحياة والموت، الواقع والخيال. تبدأ الرواية بتفكيك المفهوم التقليدي للحرية، مقدمة إياه وعيا جديدا بوجوده. فالراوي الذي يمثل الصوت الداخلي المتمرد يكتب من أعماق السجن الذي هو سجن الجسد أولاً، ثم سجن الذاكرة واللغة والوعي ثانياً. لكن المفارقة المركزية تكمن في أن هذا السجن هو سجن ناعم، سجن ورقي وإلكتروني، سجن من الإشعارات الرسمية والتعديلات الطفيفة في عقود العمل. يكتب الراوي في مقطع كاشفا عن التحول العميق في آليات القمع: "لم يعد الناس يُساقون إلى مصيرهم بالسياط والقيود، بل بالأوراق المختومة بأختام رسمية فخمة، بالبريد الإلكتروني ذي الرأسية الأنيقة، بتعديلات طفيفة تظهر كحواشي صغيرة في عقود العمل، بإشعارات موقعة تصل في منتصف الليل تعلنهم بهدوء مقيت أن منازلهم لم تعد ملكاً لهم، وأن وظائفهم لم تعد ضرورية للنظام الجديد". هذا التحول من العنف المادي إلى العنف الرمزي، من السجن الحديدي إلى السجن الورقي، يكشف عن طبيعة السلطة في المرحلة الراهنة، سلطة لا تحتاج إلى إظهار عضلاتها لأنها تمكنت من إقناع المحكومين بأن لا خيار لهم سوى الانصياع، وأن الأسئلة غير مجدية، وأن التفكير العميق يضر بالصحة النفسية، وأن النظام أعقل وأذكى وأقدر من جميع الأفراد.

يتجلى هذا التفكيك بشكل أعمق في حوارات الراوي مع الكائنات الحكيمة التي تؤثث عالمه الانفرادي: الغراب الذي يمثل الحكمة النبوية والذاكرة الجماعية، والعنكبوت الذي يمثل الفلسفة المتشككة والوعي بحدود الفعل الإنساني، والفأر الذي يمثل النقد المادي للكتابة باعتبارها نشاطا نخبويا منفصلا عن الحياة. في حواره مع العنكبوت، يواجه الراوي سؤالا قاسيا يفكك وهم الكتابة بوصفها فعلا مقاوما بحد ذاته. يقول العنكبوت: "أنت تكتب هرباً من مواجهة الحياة!". هذه الجملة تفكيك للموقف التقليدي الذي يقدس الكاتب بوصفه بطلا واعيا يقاوم بالكلمة. لكن المفارقة تتضح عندما يتابع العنكبوت حديثه عن فلسفته الخاصة: "أنا أصنع شباكي وانتظر بصبر جميل. تلك هي فلسفتي الكاملة، ولا أحتاج لأكثر منها. أنتظر بسكينة حتى تأتي الفريسة، لا ألحقها في سعار، لا أركض خلفها في لهفة، لا أتساءل بقلق: لماذا تتأخر عني؟". هذا الانتظار الصبور، الذي يبدو سلبيا من زاوية النظر التقليدية، يتحول في سياق الرواية إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة، مقاومة تدرك حدودها ولا تنخدع بأوهام البطولة. الراوي والعنكبوت، رغم اختلاف موقعهما، يشتركان في الانتظار: أحدهما ينتظر فريسته، والآخر ينتظر تغييرا لا يأتي. لكن الفرق بينهما، كما يوضح العنكبوت، هو أن الأول يدرك طبيعته وحدوده، بينما الثاني ما زال يحاول خداع نفسه بأوهام البطولة. وتعمل الرواية كذلك على تفكيك اللغة بوصفها أداة للمعرفة والتواصل، لتكشف عن طبيعتها الإشكالية. فاللغة شبكة من العلامات التي تحيل بعضها إلى بعض في انغلاق دلالي لا يفضي إلى حقيقة نهائية. يكتب الراوي وهو يستحضر وعيه الميتالغوي: "الكلمات ليست سوى شباك متقنة النسج، تظنها تحت سيطرتك، تتوهم أنك صانعها، لكنها في الحقيقة تصطادك أنت قبل أن تصطاد أي فكرة أخرى". هذا الوعي الميتالغوي يضع النص في مواجهة مع ذاته، إذ يستخدم اللغة لنقد اللغة، ويكتب ضد الكتابة. إنها معضلة الكاتب الذي يدرك محدودية أداته لكنه لا يملك سواها. ولهذا يتحول الفأر الذي يأكل الأوراق في الفصل الرابع عشر إلى رمز مقلق: هو الذي يحول الأفكار إلى غذاء مادي، ويفضح وهم الخلود الذي تسعى إليه الكتابة. يقول الفأر ساخراً، في حوار يحمل نقدا ذاتيا قاسياً للمثقف العربي: "كم من إنسان منكم يلوك الكلمات في فمه، يرددها كالبيعة بلا وعي حقيقي، يميل رأسه متظاهرا بالفهم العميق، ثم يلفظها كما دخلت، دون أن تترك أي أثر في روحه أو عقله؟ على الأقل، أنا صادق فيما أفعل وأستفيد غذائيا مما ألتهم من فكر". هذا الحوار يقوم بنقد المثقفين الذين يرددون الشعارات دون وعي، ويتجاوزه إلى نقد فكرة الخلود التي تسعى إليها الكتابة. فالفأر الذي يأكل الأوراق هو النقد المادي للكتابة، هو التذكير بأن الأفكار تموت كما يموت الجسد، وأن ما يظنه الكاتب خلودا قد لا يكون سوى طعام عابر لكائن صغير لا يعرف قيمة ما يأكل.

تتأسس الرواية على ثنائية مركزية تمثل قلب بنيتها السردية: حضور الشخصيات عبر غيابها، وغيابها عبر حضورها. عبد الله، الشخصية المحورية التي يردد الراوي اسمها باستمرار، لا يظهر إلا من خلال ذاكرة الراوي ومن خلال استحضار رفاقه الآخرين. لكن غيابه يحضر بقوة أكبر من حضور أي شخصية أخرى، وكأن الرواية بأكملها تدور في فلك هذا الغائب الذي صار مركزا للمعنى. هذه المفارقة تعكس أزمة الهوية في زمن الاستبداد، حيث يصبح الغائب هو المعيار، والحاضر هو الهامش. يكتب الراوي في لحظة تأمل: "الغراب ليس مجرد طائر عابر، بل كان فكرة، كان ظلا لما حاولت نسيانه، كان المرآة التي أعادت لي صورتي كما هي، دون تزييف، دون تجميل". هذا التحويل من المادي إلى الرمزي، من الحضور الملموس إلى الغياب الفاعل، يكشف عن طبيعة السلطة الحقيقية: سلطة الفكرة التي لا يمكن قتلها بالوسائل المادية. فالغراب فكرة متحررة من القيود، فكرة يمكن أن تظهر في أي وقت، في أي مكان، على لسان أي إنسان. ولهذا، حين تسأل الذئاب في مجلسها عن كيفية قتل الغراب، يدركون جميعا استحالة ذلك، لأن الغراب ليس كائنا يمكن إعدامه بقرار، وليس جثة ترمى للكلاب، وليس حتى شخصا يمكن إخراسه بالحديد والنار، تقدم الرواية زمنا مشظيا لا يخضع للتسلسل الخطي التقليدي، في تناغم مع رؤيتها التفكيكية للتاريخ. فالراوي ينتقل بين الماضي والحاضر والمستقبل في حركة دائرية، وكأن الزمن قد فقد معناه في عالم يتجه نحو الانهيار. يكتب الراوي وهو يصف مكان احتجازه: "أجلس هنا على حصير بالٍ أكلت أطرافه، أتأمله بعينين لا تعرفان الرمش. لم أعد أحصي الوقت المنقضي، فالزمن هنا يفقد معناه ويتلاشى". هذا التفكيك للزمن الخطي يعكس رؤية جديدة للتاريخ. فالتاريخ في هذه الرؤية،،،سلسلة من الانكسارات والانهيارات التي يعاد إنتاجها باستمرار. لكن في قلب هذا التشظي، تظهر إمكانية إعادة البناء، عبر استعادة الذاكرة. يقول العنكبوت في لحظة حاسمة: "المدينة ليست المباني والشوارع، بل الناس وذكرياتهم". بهذه العبارة، يحول العنكبوت الانكسار الزمني إلى أمل، فالذاكرة، رغم تشظيها، تبقى وعاء للمعنى وإمكانية للخلاص. تعمل الرواية على تفكيك الثنائيات الأخلاقية التقليدية التي قامت عليها الخطابات السلطوية: الخير والشر، الصواب والخطأ، البطل والجبان. فالراوي لا لا يقدم بمعنى البطل التقليدي، ولا الأعداء شياطين مطلقين كما تقدمهم الدعاية الرسمية. حتى الذئاب والضباع والنسور، التي تمثل آليات القمع بمختلف مستوياتها، تقدم ككائنات تؤدي أدوارها في لعبة كبرى لا يملك أحد الخروج منها تماما. يقول العنكبوت للراوي، في حوار يحمل نقدا ذاتيا عميقا: "الفرق الوحيد الحقيقي بيننا أنني أدرك تماماً حقيقتي وطبيعتي وحدودي، أما أنت، فما زلت تحاول خداع نفسك بأوهام البطولة". هذا النقد الذاتي القاسي يفكك وهم البطولة الذي قد يلجأ إليه المثقف في زمن الهزيمة، ليكشف عن محدودية الفعل الفردي في مواجهة أنظمة متكاملة. لكن الرواية لا تقف عند حدود هذا التفكيك، فهي تقدم بديلا عن البطولة التقليدية: بطولة الصبر، بطولة الكتابة، بطولة الحفاظ على الذاكرة في زمن تسعى فيه السلطة إلى محوها. حيث تعيد الرواية تعريف المقاومة، كعملية تراكمية، بطيئة، تمارس في الخفاء، وتستهدف تغيير الوعي قبل تغيير الواقع، أو ربما تستهدف تغيير الوعي بوصفه الشرط الأول لتغيير الواقع. تقدم رواية "موت في مرتبة شرف" قراءة جديدة لمفهوم الحرية، تتجاوز التصور التقليدي الذي يراها غيابا للقيد أو مجرد انتفاء للسلطة. الحرية في هذه الرواية هي وعي بالقيود أولا، ومعرفة بحدود الفعل الإنساني ثانيا، وإصرار على الكتابة رغم كل شيء ثالثا. إنها حرية تتحقق في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنه لا يستطيع تحقيقها كاملة، لكنه يختار السعي إليها رغم ذلك. يقول العنكبوت في ختام أحد حواراته: "الحرية الحقيقية تبدأ حين تدرك أنها لن تتحقق أبداً". هذه العبارة دعوةٌ إلى نضج جديد يتجاوز أوهام البطولة. إنها تعترف بمحدودية الفعل الإنساني، لكنها تؤكد أن السعي نحو الحرية هو نفسه ما يعطي للحياة معناها، وأن القيمة لا تكمن في الوصول إلى الهدف بقدر ما تكمن في الاستمرار في السير نحوه رغم معرفة استحالة الوصول. بهذا المعنى، يمكن قراءة الرواية كشهادة ميلاد لذات جديدة، ذات تعي انكساراتها وتتقبل هزائمها، لكنها تختار أن تواصل السير رغم كل شيء. أي ولادة تخرج من رحم الموت والانحلال، من وعي الهزيمة وإدراك الحدود. ولعل هذه هي أعمق دلالات العنوان: "موت مع مرتبة شرف". فالموت في مرتبة الشرف، أي الموت من أجل قيمة سامية، قد يكون الطريق الوحيد لولادة جديدة، ولو كانت هذه الولادة متعثرة، لكنها تحمل في طياتها ذاكرة الحرية التي لن تموت رغم كل محاولات قتلها. وهكذا، تتحول الرواية من شهادة موت إلى شهادة ميلاد، ومن وثيقة هزيمة إلى تأسيس أمل جديد.

مجلة فن السرد | قراءات ودراسات

التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث