فراشة | توفيق بوشري
تختارين الانسحاب.. ليته انسحاب، أنا أعرف ما يعنيه الانسحاب، لقد خبرته من تجارب الآخرين، بل عشت الانسحاب ولو في فترة لم أكن فيها ناضجا، ليس مثل ما فعلت أنت. ومع ذلك تسمينه انسحابا بملامح واثقة وعينين انمحى منهما كل جمال.. غزتهما صلابة وبرود.
ماذا لو لم نلتق؟ ماذا كنت سأعتقد؟ كنت سأنتظر أن تفتحي الباب وأنت تحملين أغراضا للفطور وربما للغداء أيضا. كنت سأنتظر حتى المساء، ربما ذهبتِ في زيارة طارئة لوالدتك المريضة بعد تلقيك مكالمة في وقت باكر. كنت سأنتظر إلى الغد حتى، ربما مزاجك سيء للغاية بسبب مشكلات العمل.
غادرتِ لتبقي وحيدة لفترة من الزمن. مضى يومان. قالت أمك بأنك لم تسألي عنها منذ شهر. صديقاتك استغربن غيابك المفاجئ. قلن لي بأنهن يعلمن بأنك مجنونة، لكن ليس إلى هذه الدرجة! أنا أيضا لا أستغرب أنك مختلفة ومشاغبة، فقط لا أستسيغ اختفاءك المفاجئ هذا.
ترددت قبل الذهاب إلى الشرطة، في النهاية لم أجد بدا من ذلك. بلغت عن غيابك، ذعرت عندما واجهني الضابط بأنك قد تكونين مخطوفة. كيف؟ بل لماذا؟ ليس لك أعداء ولسنا أغنياء حتى يكون هدف الخاطف طلب فدية. اللهم إن كان طامعا في دراجتك الهوائية أو في حاسوبي القديم. قال أفراد الشرطة بأنهم سيراقبون هاتفي، ربما أتلقى مكالمة من الشخص الذي يحتمل أنه قد اختطفك.
هل يعقل فعلا أن أحدهم قد سرقك مني؟ هكذا ببساطة؟ شيء لم أفكر فيه من قبل ولا توقعته. هل يمكن أن يكون مريضا أو مختلا أغرم بك، وراقبك منذ مدة تخطيطا لذلك الصباح اللعين؟ أحاول أن أتذكر، إن كان شخص ما يراقبنا من النوافذ أو الشرفات المقابلة.. ليس لدينا سوى نافذتين اثنتين تطلان على بيت مهجور. نصحني زميل التقيته وأنا عائد من المخفر أحدث نفسي، بأن أسأل في المستشفيات.
لم أنبس بشيء، حلقت بي أفكاري نحو احتمال حادث فظيع. ربما صدمتك سيارة مسرعة وغادرت، حملتك سيارة الإسعاف وأنت تنزفين حتى.. لا، لا.. أكثر الحوادث تكون طفيفة. ربما هي إصابة غير خطيرة، وأنت الآن في غرفة عادية. لا تليق بك غرفة العمليات ولا العناية المركزة.. أنت مغامِرة لا تستسلم ومن المستحيل أن يصيبك مكروه بليد كهذا.
كنت دائما تصرخين في وجهي عندما أطلب منك الانتباه لنفسك: لن أموت إلا بطلة! تركت زميلي دون أن أودعه، أوقفت سيارة أجرة. من فضلك، بسرعة، المستشفى الكبير. في باحة الاستقبال شعرت بأحاسيس مزدحمة متعارضة، بين الخوف والأمل، الرهبة والرجاء، أوجاع مريبة تتصعد من معدتي إلى قلبي وجل صدري، حتى صارت صداعا شديدا في رأسي. كدت أرجع من حيث أتيت.
تشجعت وأنا أتذكر مقولاتك القوية..
- آنستي، أبحث عن سيدة..
قاطعتني الآنسة الممرضة: ولادة؟
ابتسمت في أوج قلقي، بل ارتعابي. تخيلتك ببطن منتفخة يلهو بداخلها بطل صغير اقترفناه وننتظر خروجه ليسامحنا ويعيش بيننا بشروطه الكثيرة، المتعبة والمضحكة..
كررت الآنسة القابعة خلف شباك الاستقبال:
- ولادة؟..
- لا، لقد اختفت منذ..
عاجلتني: أوه، حسنا. سنبحث في سجل الحوادث..
بالنسبة لها كلمة حوادث ليست حادثة، إنها شيء عادي لا يكتمل عملها إلا بوجوده المألوف. تمتمت:
- ها.. حسنا، ابحثي من فضلك.
تمنيت أن تجد الاسم وتخبرني برقم الغرفة، فأسرع للبحث عنها. أفتح الباب، أجد سيدة ممددة بجانبها زوجها. سيسألني طبعا:
- من أنت؟
سأضحك وأنا أخفي أسناني المنخورة بيدي:
- عفوا.. لقد أخطأت في رقم الغرفة..
أقفل الباب. وأنطلق أفكر، جميل أننا نستعمل الأسماء نفسها لصورنا الكثيرة. جميل جدا. بعد تمحيص، رفعت موظفة الاستقبال رأسها في شبه ابتسامة وظيفية:
- لا أحد هنا بهذا الاسم سيدي..
شعرت وكأن حملا هائلا اندثر أو حمله عني مارد إلى جهة مجهولة. لم يختف الحمل طويلا، مازال هناك احتمال الخطف..! ولكن من هذا المجنون الذي يخطف امرأة لا تملك شيئا ولا أحد من ذويها يملك مالا.. قد يكون مجنونا فعلا، مثل الأفلام الغريبة التي كنا نشاهدها في نهايات الأسبوع، لقد كانت مغرمة بالقصص الخارقة المليئة بالمشاعر اللامعقولة.
تحب الرجال الذين يقفزون من البروج الشاهقة فقط لإرضاء حبيباتهم الطويلات اللائي يعشقن المفاجآت.. كنت أقلد أولئك الرجال بين الفينة والأخرى، ولن أنسى الكسر المزدوج الذي أصبت به عندما أصلحت صحن الاستقبال الرقمي وقفزت من السقيفة البالغ طولها حوالي الثلاثة أمتار وأنا أقلد سوبرمان صائحا:
- أحبك..
كنت تروين عطش الأصص، صرختِ ولكنك لم تخف إعجابك أيضا! ليس أمامي سوى انتظار مكالمة الخاطف الأخرق، أخشى فقط أن يطلب مني طلبا أحمق، مثل فيلمك المفضل: مخدع الهاتف. قد يطلب مني الخروج عاريا إلى الشارع..
كم كانت إحدى أمنياتك التي لا أفهمها. نخرج عاريين؟! قد يقتلوننا، وقد يضربوننا وهذا أضعف الإيمان! تضحكين وتقفزين من السرير نحو النافذة، تفتحين قميص نومك وتقفلينه بسرعة. أصرخ عاليا: هييييه، قد يراك أحدهم.. هل أنت مخبولة! أهم أصفعك.. تقبلينني وتدفعينني صوب السرير مجددا، نسقط عليه كامرأة سمينة، يسمع له صرير يدفعني إلى الصياح:
- ماذا لو كسرناه!! كيف سنشتري آخر؟؟
تقفلين فمي الصاخب بقبلة أخرى مطولة لا أستفيق منها إلا صباحا وقد تأخرت عن العمل.. معقول أن تكوني متواطئة مع الخاطف؟ مر الوقت بطيئا، لا جديد لدى الشرطة، الخاطف المحتمل ابن الكلب لم يتصل بعد.. لو أنه يطلب مني قتل رئيسي في العمل، لفعلت. المهم أن يتصل لينتهي هذا الترقب المعذب البشع.
- انسحبت من حياتك..!
بعد أحداث تشبه شريطا مطولا مرهقا ومشوقا بكل الألم والرعب الممكنين، نلتقي هنا في معرض صور المختفين لتقولي بأنك انسحبت من حياتي بكل هدوء وبراءة..؟ بل إنها براعة! تسمينه انسحابا؟ بملامحك الواثقة، وعينيك الجاحظتين الباردتين؟
ماذا لو كنت أنا من انسحبت كما تسمين فعلتك الشنيعة؟ ماذا لو كنتِ أنت من عشت هذه الأحداث العصيبة؟ لماذا تصمتين الآن! تهزين كتفيك، تخرجين صورتي من حقيبة يدك، تعلقينها بعلكة كانت في فمك على الجدار. تضحكين ضحكة خفيفة وتنسحبين مجددا. لم أتمكن من قول شيء البتة. حملقت في صورتي، ثم التفت لأجدك قد اختفيت بين الزوار، نظرت مجددا إلى صورتي، تنبهت إلى كتابة أسفلها:
ماذا لو لم نلتق؟
مجلة فن السرد | محاكاة


إرسال تعليق
اترك.ي. تعليقا