تحليل بنية الفضاء الروائي ودلالاته الأنطولوجية في رواية "أحلاس" ليونس أوعلي" | ياسين أرحال

الكاتب: مجلة فن السردتاريخ النشر: عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 
تحليل بنية الفضاء الروائي ودلالاته الأنطولوجية في رواية "أحلاس" ليونس أوعلي" | ياسين أرحال

تحليل بنية الفضاء الروائي ودلالاته الأنطولوجية في رواية "أحلاس" ليونس أوعلي" | ياسين أرحال

لعلّ التحول الأكثر دراماتيكية في الرواية العربية المعاصرة، يتمثل في تحول المكان من كونه مجرد خلفية سردية إلى كونه فاعلاً سردياً قائماً بذاته، بل إلى بطلٍ من أبطال النص. وفي رواية "أحلاس" ليونس أوعلي- الفائزة بجائزة كتارا لسنة 2021- يتحقق هذا التحول بأقصى درجات الشدة والكثافة، حيث يصبح الفضاء كائِناً حيا يتنفّس، يتألّم، يختزن الذاكرة، ويشارك في تشكيل مصائر الشخصيات.

تحليل بنية الفضاء الروائي ودلالاته الأنطولوجية في رواية "أحلاس" ليونس أوعلي" | ياسين أرحال

إننا أمام أنطولوجيا مكانية متكاملة، يقدم فيها الكاتب جغرافيا وجودية، تتحول فيها الأمكنة إلى شواهد على جراح الذاكرة، وإلى سجلات للتاريخ الشخصي والجمعي. هذا الفضاء المتعدد الأبعاد، يتجاوز التقسيم التقليدي بين الداخل والخارج، بين الخاص والعام، بين المادي والرمزي، ليشكل نسيجًا معقدًا من العلاقات التي تحدد مسارات الشخصيات وتشكل وعيها.

1. الفضاء القروي: "أحولي" كجغرافيا للنبذ والاغتراب

تطل قرية "أحولي" في الرواية ككائن عضوي يتنفس تاريخا من الاستعمار والحرمان، وتختزن في طياتها ذاكرة جماعية مثقلة بجراح الماضي. هذا الفضاء القروي يمثل نظاما اجتماعيا كاملا يمارس سلطته على الأجساد والذوات." فـأحولي" - بجمالها الطبيعي الأخاذ وبؤسها الاجتماعي الممتد - تقدم نموذجًا للتناقُض الوجودي الذي يعيشه سعيد: جمال الطبيعة المحيطة يقابله قبح التعامل الإنساني.

في هذا الفضاء القروي، تتحول الجغرافيا إلى سجن مفتوح، حيث تمارس العيون المراقبة، وتصدر الأحكام، وتُنفذ العقوبات الاجتماعية. الشوارع الضيقة، الساحات العامة، أرجاء المسجد.. تتحول جميعها إلى مسارح للعرض الاجتماعي، حيث يُعرض سعيد كـ"الآخر" المختلف، الابن غير الشرعي، "المنحوس" الذي يحمل - في المخيلة الجمعية - سبب شقاء القرية. هنا يتحول الفضاء إلى آلة لإنتاج الاغتراب، حيث يشعر سعيد بأنه غريب في المكان الذي يفترض أن يكون موطنه.

المناجم المهجورة في أحولي تحولت من مجرد أطلال صناعية، إلى شواهد على تاريخ من الاستنزاف: استنزاف الثروات من قبل المستعمر، واستنزاف الأمل من أبناء القرية. هذه المناجم تتحول إلى فضاءات رمزية تعكس الوجود الإنساني نفسه: ظلام داخلي، متاهات لا نهاية لها، وخطر دائم من الانهيار. إنها مرآة للحالة النفسية لسعيد ولأبناء قريته، تعكس يأسهم وخيبتهم.

2. تشريح فضاء الجسد وتمثيلاته الأنطولوجية

في عالم بسمة، يتحول الكرسي المتحرك من أداة مساعدة إلى كون كامل، إلى فضاء وجودي يحدد علاقتها بالعالم. هذا التحول الدراماتيكي في علاقة بسمة بالفضاء يمثل أحد أعمق التحليلات الوجودية في الرواية. فالجسد المعاق يشكل تحولاً جذرياً في الوجود نفسه. العالم الذي كان مفتوحًا أمامها يتقلص، والفضاءات التي كانت ميسورة تصبح متاهات معقدة.

الكرسي المتحرك يصبح بيئة بصرية دائمة، حيث تتحول بسمة إلى مشهد مرئي للضعف، إلى جسد معروض للشفقة أو الفضول. هذا الوجود المرئي الدائم يخلق علاقة متوترة مع الفضاء العام، حيث كل حركة تحتاج إلى حساب، وكل مسار يحتاج إلى تخطيط. لكن الأعمق من ذلك، أن الكرسي يتحول إلى فضاء ذاكري، حيث تحمل بسمة ذكريات مشيها السابق، وترى العالم من منظور مزدوج: منظور الحاضر المقيد، ومنظور الماضي الحر. في غرفة بسمة، يتحول الفضاء الداخلي إلى عالم كامل. النافذة تصبح عينها على العالم، السرير يصبح جزيرتها الوحيدة، والكتب تصبح بواباتها إلى عوالم بديلة. هذا الانكماش المكاني يقابله اتساع في الفضاء الداخلي، حيث تتسع ذاكرتها وتتضخم أحلامها وعذاّباتها. الفضاء هنا يصبح معادلاً موضوعياً للحالة النفسية: انكماش خارجي مقابل اتساع داخلي، عجز جسدي مقابل طاقة سردية هائلة.

3. فضاء الكتابة: المذكرات كأرخبيل للوجود المتخيل

تشكل المذكرات في الرواية فضاء موازيا، أرخبيلاً من الجزر النصية حيث يلجأ سعيد وبسمة هرباً من قسوة الفضاء المادي. هذا الفضاء النصي لا يقل واقعية عن الفضاء الجغرافي، بل إنه يصبح في كثير من الأحيان أكثر واقعية وأكثر صدقا. حيث تتحول الكتابة إلى فعل وجودي، إلى طريقة لإعادة تملك العالم، لإعادة تعريف الذات، ولخلق معنى في عالم يبدو عابثاً.

في مذكرات سعيد، نرى فضاءً زمنياً مكسوراً، حيث تتداخل أزمنة الطفولة مع أحداث الاختطاف، وحيث تختلط ذكريات أحولي بأهوال كازامانس. هذا الفضاء الزمني المتداخل يخلق جغرافيا نفسية معقدة، حيث الحدود بين الماضي والحاضر تتبدد، وحيث الألم القديم يتجدد باستمرار. الكتابة تصبح وسيلة لرسم خريطة لهذا العالم الداخلي المعقد، لمحاولة فهم المسارات التي قادته إلى حيث هو.

أما بسمة، فتخلق فضاءً من التأمل الفلسفي، حيث تتحول تجربتها الشخصية إلى سؤال وجودي عام. هذا الفضاء النصي يصبح مختبراً للتفكير في الحياة والموت، في المعنى والعبث، في الأمل واليأس. عبر الكتابة، تخلق بسمة مسافة بينها وبين ألمها، تتحول من مشاركة في المعاناة إلى مراقبة لها، ومن ضحية للحدث إلى راوية له.

4. التناقض الحضري: أكادير بوصفه فضاء مجزأ طبقيا

تمثل أكادير في الرواية فضاء مجزأً، مقسماً بين عالمين: عالم الثراء والامتياز الذي تنتمي إليه بسمة، وعالم الفقر والهامشية الذي يظهر في ثنايا السرد. هذه المدينة تقدم نموذجاً للتناقض الحضري في المغرب المعاصر، حيث يتعايش الحديث والتراثي، والثراء والفقر، والأمل واليأس. في شقة بسمة الفاخرة، نرى فضاء من العزلة المرفهة، حيث توفر الرفاهية المادية الحماية من بعض آلام العالم، لكنها لا تستطيع حمايتها من آلامها الداخلية. هذه الشقة تتحول إلى قفص ذهبي، حيث كل وسائل الراحة متوفرة، لكن الحرية الحقيقية غائبة. النافذة هنا تصبح رمزاً لهذا الوجود المزدوج: الاتصال بالعالم من خلال النظر، والانفصال عنه من خلال الحاجز المادي والنفسي. الشارع في أكادير يمثل فضاء الصدام مع الواقع، حيث تختبر بسمة إعاقتها في الفضاء العام، حيث تواجه نظرات الفضول و الشفقة، و تختبر قسوة العالم على جسد مختلف. أما الحانة التي تزورها، فتمثل فضاء الهامش، تلتقي فيها بمن هم خارج النظام الاجتماعي، حيث تنكشف الحقائق المكبوتة، و تظهر الجوانب المظلمة للتاريخ الشخصي والعائلي.

5. فضاء الاختطاف: كازامانس والنموذج الاستثنائي

تقدم فصول الاختطاف في كازامانس نموذجاً لفضاء الاستثناء، حيث تُعلَق القوانين وتتبدد الحضارة، ويُختزل الإنسان إلى جسد قابل للتعذيب. هذا الفضاء يمثل النقيض المطلق لفضاء المنزل، إنه فضاء حيث يختفي الأمان تماماً، حيث يصبح الجسد نفسه سجناً ومعرضاً للتعذيب.

الزنزانة تقدم نموذجاً لفضاء محايد شرير، حيث يختفي الزمن، وتتلاشى الفروق بين الليل والنهار، ويُختزل الوجود إلى مجرد بقاء بيولوجي. هذا الفضاء المحدود جسدياً يتسع رمزياً ليشمل كل أشكال العذاب الإنساني. الجدران شواهد صامتة على الألم، سجلات حجرية للتعذيب. في هذا الفضاء، يحدث تحول دراماتيكي في علاقة سعيد بجسده، فالجسد الذي كان مصدراً للحركة والإرادة يتحول إلى مصدر للألم، إلى شيء منفصل عنه، إلى عدو. هذا الانفصال عن الجسد يمثل أعمق أشكال العنف، حيث يُسلَب للإنسان حتى ملكيته لجسده. الفضاء يصير شريكا في الجريمة، حاضنا للعنف، وشاهداً على الهمجية.

6. فضاء الطبيعة: الوادي والجسر كحدود وجودية

يظهر وادي ملوية في الرواية كفضاء حدّي بامتياز، كحافة بين الحياة والموت، بين الوجود والعدم. هذا الوادي هو مسرح لأهم الأحداث الوجودية في حياة سعيد. هنا، عند حافة الماء، يقرر سعيد إنهاء حياته، وهنا يُنقَذ لتبدأ حياة جديدة... الجسر فوق الوادي يتحول من مجرد معبر مادي إلى عتبة رمزية، إلى حد فاصل بين حالتين وجوديتين. القفز من الجسر يمثل رغبة في الانتحار و العبور إلى عالم آخر، إلى حالة وجودية مختلفة. أما الإنقاذ من الماء يمثل نجاة بيولوجية و ولادة جديدة، بداية لمسار وجودي مختلف.

الطبيعة في أحولي - بجبالها وهضابها وأشجارها - تقدم فضاءً مزدوج الدلالة: من ناحية، هي فضاء الجمال والحرية، حيث يمكن لسعيد الهرب من قسوة القرية؛ ومن ناحية أخرى، هي فضاء الخطر والموت، حيث يمكن أن تتحول الحرية إلى عزلة قاتلة. هذه الطبيعة تقدم نموذجاً لفضاء لا إنساني بالمعنى الحرفي، فضاء لا يهتم بالألم الإنساني، وإنما يستمر في دوراته الطبيعية بغض النظر عن المآسي الإنسانية.

7. بين الذاكرة والنسيان: البيت كفضاء متعدد الدلالات

يقدم المنزل في الرواية نموذجا لفضاء متعدد الطبقات، حيث تتكدس الذكريات وتتضارب المشاعر. يعتبر بيت سعيد الطفولي في أحولي سجل لعار الأم، وشاهد على النبذ الاجتماعي. الجدران هنا تحمل ذاكرة الفضيحة، الأرض تحمل أثر الأقدام التي هجرته، السقف يحمل ظل المشنقة التي انتهت بها حياة أمه.

 بينما في المقابل، بيت حميد وأمه بالتبني يمثل فضاءً للاحتواء، للرعاية، للحب غير المشروط. هذا المنزل، رغم بساطته المادية، يصبح فضاءً للانتماء، للهوية البديلة، للعائلة المختارة. هنا يختبر سعيد للمرة الأولى معنى أن يكون محبوباً، أن يكون مقبولاً، أن يكون جزءاً من شيء أكبر من ذاته.

أما بيت بسمة، فيمثل فضاء الثراء والعزلة، حيث توفر الرفاهية المادية كل الاحتياجات الجسدية، لكنها تعجز عن توفير الاحتياجات النفسية. هذا البيت الكبير يصبح أحياناً فارغاً، ومخيفاً في فراغه، حيث تتردد أصداء الوحدة في أركانه، وتتضخم الأحزان في غرفه الفارغة.

8. فضاء الطريق: الرحلة كاستعارة وجودية

تمثل الرحلة في الرواية - رحلة سعيد إلى فرنسا، رحلة بسمة إلى أحولي، رحلة الاختطاف إلى كازامانس - استعارة كبرى للوجود الإنساني نفسه. الطريق هنا يصبح فضاءً للتحول، للتغير، لاكتشاف الذات والآخر. في فضاء الطريق، تختفي الثوابت، وتتغير المرجعيات، وتُختبر الهوية.السيارة التي تقودها بسمة، الحافلة التي يركبها سعيد، الطائرة التي تقلهم إلى أماكن مختلفة، جميعها تمثل فضاءات انتقالية، أماكن بين الأماكن، حالات بين الحالات. هذه الفضاءات المتحركة تخلق شعوراً بعدم الاستقرار، بعدم الانتماء، لكنها أيضاً تخلق إمكانية للتغير، للتحول، لبدايات جديدة.الطريق إلى أحولي يمثل بالنسبة لبسمة رحلة إلى الماضي، إلى جذور الحبيب، إلى مصادر ألمه. هذه الرحلة المكانية تقابلها رحلة نفسية إلى أعماق الذات، إلى محاولة فهم الآخر من خلال فهم جذوره. يصبح الطريق فضاءً للاكتشاف المزدوج: اكتشاف المكان الآخر، واكتشاف الذات المخفية.

• خاتمة: فضاء "أحلاس" كنسيج وجودي معقد

في الختام، لا تكمن أهمية رواية "أحلاس" لـ"يونس أوعلي" في سردها المأساوي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى كونها تشريحا وجوديا للفضاء ككائن نازف. حيث تتحول الأمكنة في هذا النسيج الروائي من حوامل سلبية إلى فواعل نشطة، تُنتج الألمَ وتختزنه وتعيد إنتاجه. يصبح الفضاء الروائي مرآةً مكسورةً تعكس تشظي الذات العربية بين تراثٍ مثقلٍ وواقعٍ مُعولم، وكأن المكان نفسه يعلن إفلاسه أمام صدمة الحداثة.

عبر هذه الجغرافيا المتألمة، يخلق" يونس أوعلي" لاهوتا مكانيا جديداً يُصبح فيه الوجع لغةً، والغربةُ موطنا، والكتابةُ مقاومةً. إنه إسهام نظري عميق في إعادة تشكيل أنطولوجيا المكان في الأدب المغربي و العربي، حيث يفتح نوافذ للتأمل في علاقتنا المتوترة بأمكنتنا المُثقلة بالذاكرة والنسيان. و يقترح أن الشفاء الوجودي لا يكون إلا عبر إعادة التفاوض مع فضاءاتنا الداخلية والخارجية، وكأنها تعلن أن خلاص الذات يمر بالضرورة عبر مصالحة جذرية مع جغرافيا وجعها...هكذا تتحول "أحلاس" من نص روائي إلى حفريات أنطولوجية في جثة المكان ، حيث يصير كل مشهد تشريحاً لجغرافيا اللاانتماء، وكل فضاء سردي شاهد على زمن الجرح المستمر.

مجلة فن السرد | قراءات ودراسات 


التصنيفات

شارك.ي. المقال

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

اترك.ي. تعليقا

ليست هناك تعليقات

2455631403162698945

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث